مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

الاغتراب وتشظي الواقع في مجموعة آيس كريم لإبراهيم طاهر..بقلم ياسر محمود محمد

2026-06-20 01:11 AM  - 
الاغتراب وتشظي الواقع في مجموعة آيس كريم لإبراهيم طاهر..بقلم  ياسر محمود محمد
ياسر محمود محمد - السويس - الأربعين

الحداثة وما بعدها كائنان هلاميان مازالا في تشكلهما ،يزوراننا في الآن وغداً ،ودوما ينطلق الزمان في واقع الثابت الوحيد فيه هو التغير.

وتبدو قضية القصة القصيرة جدا أو الأقصوصة أو ما أطلق عليه بشكل شخصي (المنمنمات) ،هي قضية تطور النوع من خلال ذات النوع.ويبدو تطور الفنون الحديثة الأدبية في أشكال عدة، منها قصيدة النثر والمنمنمات والقصة الشاعرة وكتابات عبر النوعية.

تمتاز المنمنمات بالتكثيف والإيجاز في كل كلمة بل في كل حرف.وقد تتكون من صفحة واحدة أو صفحتين على الأكثر.أو قد تكتفي ببضعة سطور أو حتى سطر .وفي المنمنمات البطل الرئيسي الفكرة.والتناقض المنسجم هو الحدث.والإطار التقليدي للنوع هو الإطار الإبداعي الجديد المتفرد للقصة القصيرة المتعارف عليها منذ موباسان وتشيكوف.والإطار التقليدي للنوع تغير فالبداية والنهاية والشخوص والحبكة والذروة من خلال حكاية بمفهومها السردي المعتاد..كل ذلك قد تغير.حيث يكون تطور الحدث عبر سهم سريع ينطلق -فقط- من جعبة فنان/قاص ماهر.ممتلك لأدواته.مدرك لقوانين فنه.وعلى معرفة بالأنواع الفنية المختلفة ودرجةاختلافها /تباينها أو اتفاقها.ممتلك للغته( وهي الأداة بالغة الأثر والأهمية لدى المبدع كما تقول المدرسة الشكلانية الروسية).ثقافته واسعة.مخلص للحداثة حتى اقتناص الخيال في لحظة سرمدية من آثار العمق ومحاولة التفرد وهو ما ظهر واضحاً في مجموعتنا آيس كريم للمبدع السويسي إبراهيم طاهر.

(وكلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة) بتعبير الصوفية.فمنمنمة إبراهيم طاهر اختزلت العالم في ذرة رمل بتعبير (فرانك أوكونور)عن القصة القصيرة؛ فأصبح العالم- بكينوناته المختلفة -في سطر أو حتى أقل القليل من الكلمات.

الفقد والاغتراب المكانيان أو الزمانيان أو النفسيان ملمح بارز في أقاصيص هذه المجموعة ،ويظهر  ذلك في العناوين الآتية(س.ف.ر)، (انفصال)،(تلاشٍ)،(تمرد)،(حدوتة ما قبل الموت)،(عقوق نسل سيزيف).(نزوة)،(هروب)،(حيرة)،(فرار)،(فات الميعاد)،(لجوء)،وهي مفاهيم مختلفة متشظية للفقد.

وفي مضمون الأقصوصة التي تحمل المجموعة اسمها(آيس كريم) وهي أطول أقصوصة على الإطلاق.حيث شملت صفحتين كاملتين. فيها يظهر الفقد جلياً في هيئة البنت كان والدها معتاداً أن يُحضر لها الشكولاتة والآيس كريم إلا أنها بروحها الصغيرة لا تدرك رحيله وفقده بالموت ؛فتودع نعشه قائلة له:( مع السلامة يابابا ،نتقابل في الجنة إن شاء الله ،متنساش الآيس كريم)ص ٩.وهي قصة تفيض عذوبة وشاعرية ،وفيها يظهر الملامح/الثيمة التي تغلب على قصص المجموعة في الفقد مابين براءة المحبين وقسوة الواقع من تغير وتبدل وسفر وموت في ظل قسوة تحولات الزمن غير المبررة.

والتشظي تلوينة ذات أثر في المجموعة،تظهر في كل سردياتها ،حتى في العنوان مثل(س.ف.ر) وأيضا أقصوصة (إ.ن.ج.ا.ز) فأتى العنوان هكذا حروفاً متقطعة منفصلة.ذاب ما بينها من اتصال ،في اتفاق أو تناقض مع دلالتها.وكأن الدال والمدلول في اعتباطيهما مقاربة لكل معنى وواقع في حياتنا لانستطيع استيعابه بحسنا المشترك وبلغتنا المحدودة في التعبير عنه. وببراءة أبطال المجموعة غير العادية.

كذلك يبدو الاغتراب في أقصوصة (أراد)..التي عنونت بمعنى يتناقض مع مضمونها،حيث يظهر الانفصام وتشتت الواقع المؤلم بين ماهو كائن وما يجب أن يكون.او بتحريف لعبارة امل دنقل الشهيرة(إن الفنان يأمل أن يصبح الواقع خيالا والخيال واقعا.

فمن الملاحظ أن التشظي في عنوان الأقصوصة(أراد) -وهو الفعل الماضي الذي يفيد التحقق-حيث بطل الأقصوصة عندما أراد أن يحكي قاطعوه ضاحكين ومستهزئين. وضحكهم كان يتوسطها بعض الحروف التي توحي بالهذيان منهم ومنه.

فيقول الكاتب(ارررررااد.هههه.ااد..هههه) فيأخذنا القاص إلى المدرسة السريالية التي ترى أن الحقيقي في الواقع إيحاء لحقيقة غائبة تتضح في الميتافيزيقي والخيال وعالم الأحلام.

كما أن الكاتب-بقصد أو بغير قصد ينتمي إلى مدرسة (الدادئيين) التي ترى أن القصيدة/القصة يمكن أن تُكتب بأي شكل!حتى لو لم يكن له معنى في وقتيته الحالية.حتى أنهم كانوا يرون أن لو أخذ فنان عدة كلمات أو حروف من أعمدة جريدة،ووضعها بجانب بعضها البعض ،بشكل اعتباطي فوضوي لاتحكمه أية قوانين.تكونت منه قصيدة /قصة.أو برتوش غير ذات معنى تكونت لوحة.حتى لو لم يكن لذلك معنى مباشر للذهن.إنه الانفصال والتشظي بين واقع مرجو في الخيال ،وواقع شديد الألم والقسوة معاش.

وبعد

إنَّ القصة القصيرة جداً أو ق.ق.ج ,أو الأقصوصة.أو المنمنمة كما أسميها.هي نتاج واقع مأزوم يمتاز في كل لحظة من لحظاته بسماتها كفن باي تفسير انعكاس للواقع.

ومجموعة (آيس كريم) مائزة, والكاتب مبدع مُجرِب. ويبقى التجريب أساس كل فن,في رحلة يتحاور ويتجاور فيها الحداثي وما بعد الحداثي.

*صدرت ضمن الكتب الفائزة بالنشر الإقليمي 2019 الهيئة العامة لقصور الثقافة فرع ثقافة السويس

 

 

مساحة إعلانية