مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

سيرة الوجع والعشق في ديوان من برة فريم النضارة .. بقلم محمود رمضان الطهطاوى

2026-06-15 05:16 PM  - 
سيرة الوجع والعشق في ديوان من برة فريم النضارة ..  بقلم  محمود رمضان الطهطاوى
الطهطاوى وماركو ملاك

سيرة الوجع والعشق في ديوان ماركو ملاك يوسف "من برة فريم النضارة" 

بداءة وعلى المستوى الشخصي ومن خلال متابعتي لتجربة الشاعر وميلاده منذ حوالي عقد من الزمان، أحمد للشاعر أنه لم يتعجل إصدار ديوانه الأول وإن تأخر كثيرا .

فبدايات الشاعر "ماركو ملاك يوسف" التي احتضنها نادي أدب طهطا منذ عقد من الزمان كانت تبشر بميلاد شاعر عامية يحلق في فضاء الشعر ليلتقط خيوط الخيال وينسج بها عالمه ليحط على أرض الشعر المزدحمة .. ليبني له مكانه الخاص وعالمه الساحر  وسط هذا الزخم الهائل من عشاق الحرف .

صدر ديوانه الأول " من بره فريم النضارة" عن النشر الإقليمي للهيئة العامة لقصور الثقافة 2022م يحمل تجربة استطاعت بعشقها للعامية المصرية  أن تشكل ملامحها وتنحت في صخر الشعرية مشكلة عالمها الخاص بروح وثابة، متخذة من السهل الممتنع جذورا ترويها بتلك البساطة المروية بروح الشاعر فتبنت تلك الصور العذبة التي تشكل شجرة الشعر " القصيدة " .

 يضم الديوان الذي يشغل مساحة " 90" صفحة من القطع المتوسط ، " 32" قصيدة بالإضافة إلى " بداية" و" إهداء".

العنوان/ البوابة الرئيسية

قبل أن نمسك بالمفاتيح وندلف إلى مداخل الديوان، تطالعنا البوابة الرئيسية " الغلاف " الذي يحمل عنوان " من بره فريم النضارة" بما يحمله من دلالات ويطرحه من أسئلة .

هل بقصد الشاعر أن يطل علينا من خارج فريم النظارة ؟ أم من خلفها، فكلمة " بره " تعطي البراح للتأويل ، ولكن ما إن ننظر وندقق في الصورة نجد خلف بريم النضاره ملامح شبه باهته لإنسان يتشبث بكلتا يديه بالنظارة ، مما يثبت أنه يراقب ويشاهد ويتابع من خلف النظارة وإن كانت بحجم أكبر يزيد أضعاف أضعاف الوجه ، لاشك إن اللوحة ترمز للكثير مما يريد طرحه الشاعر

بداية ومفتتح

بعد أن توقفنا أمام العنوان ببعض ما طرحه من دلالات وندخل في المتن / الديوان حتى يقابلنا مدخلين مهمين :

المدخل الأول :المعنون" بداية" وهو مدخل نثري والذي يقول فيه الشاعر:

 "الإهتمام بالبشر أشبه بشُعاع الضوء

لو مقابلش قلب عاكس

هيتشتت ويضيع في السكة "

في البداية يحدد الشاعر لنا صورة العلاقات الإنسانية الصحية المبنية على التبادل وأهمها الاهتمام ، بخلاف ذلك " هيتشتت ويضيع في السكة" على حد تعبيره .

وما إن ندخل إلى المدخل الثاني المعنون" مفتتح " وهو مدخل شعري ، حتى نقف على أعتاب صورة شعرية تلخص ما كان يرمي إليه المدخل الأول، يقول المفتتح :

 "عملوا قلبي أسفلت..

مِشيوني

وصلوا هما ساعتها ..

وسابوني

اخذوا فَرحي الفلت ..

وادوني

لفة م الأحزان ك هدية

كنت شايف الدنيا وردية "

نص صغير باذخ بالصور/ المتقابلات

تبرز كلمات " مِشيوني- سابوني- ادوني " الانكسار ، الخديعة، الخيانة ، عندما عملوا من قلبه طريق ليعبروا عليه " عملوا قلبي أسفلت/مِشيوني" مفتتح يشي ويفصح عن كم الوجع الإنساني .

ويواصل رحلة الوجع في المفتتح الدال بتلك المتقابلات" وصلوا- سابوني ، فرحي – الأحزان، الفلت – لفة" تلك المتقابلات : " المفرد – الجمع " تبرز وتجسد تلك الصورة الضامة على الحزن ، الكاشفة للخيانة في اختزال مبدع من الشاعر الذي استطاع أن يكثف ويكشف ويعري الواقع المعيش / المشاهد بكل تفاصيله، ويرسم صورة معقدة بكل تفاصيلها بأقل عدد من الكلمات ليسكب هذا الواقع في تلك الأسطر القليلة الدالة والكاشفة .

فبعد أن داسوا على قلبه وحولوه لأسفلت / طريق عبروا عليه وداسوه بأقدامهم  ، وصلوا وتركوه ، وأخذوا فرحه اليتيم / الفلت – على حد تعبيره – وأعطوه " لفة" من الأحزان .

الفرد مقابل الجماعة " الفرح الفلت مقابل لفة الأحزان " .

هذه المداخل الثلاثة " الغلاف- بداية – مفتتح " رسمت لنا مسبقا صورة محملة بالدلالات قبل الولوج في عمق الغرف/ القصائد .

جاء العنوان المجرور بحرف الجر ليسحبنا لمدخلين نكرة " بداية – مفتتح " رغم كل ما قدماه من مفاتيح كاشفة لسيرة الوجع .

سيرة الوجع والعشق

كما ذكرنا يضم الديوان " 32" قصيدة ، 7 قصائد فقط تتحدث عن الحب والعشق، وباقي القصائد تتناول سيرة الوجع الإنساني من جراء الخيانة والغربة والاغتراب والجراح والألم والحسرة مما يلاقيه من جحود ونكران وكذب وخداع .. الخ

نجد مفردة " القلب" بمشتقاتها تسيطر على مفردات الشاعر ، فقد ذكرت في الديون 50 مرة ، في حين نجد مفردة " حب " لا تزيد عن 12 مرة في مقابل كلمات الجرح والكذب والحزن .. الخ .

أولى قصائد الديوان هي التي تحمل عنوانه " من بره فريم النضارة" التي تجسد الوجع وترسمه في صور دالة تدخل من السطر الأول الذي يطرح السؤال / الحيرة " أبدأ من فين ولفين هوصل ؟!".

سائلا ومتعجبا من هذا الوجع المحيط بكل ما يحمله من كذب وخداع ونفاق وجراح ترسمه القصيدة بصور شعرية سهلة/ عميقة .

بعد السؤال الحيرة يبوح :

دا القلب غريب داير يسأل

والليل ونّاس ..

والليل والناس والنضارة

محتارة عنيا في ملامحمهم

كل أمَّا اشوفهم والمحهم

مش قادر أحدد شيء ثابت

مشهد /صورة ، تسكب الوجع وترسمه بوضوح ، هذا القلب الغريب الذي يدور يسأل في أنس الليل، يحاول من خلال تلك الثنائية الليل والنضارة أن يحدد ملامح الناس ، فلا يستطيع أن يحدد شيء ثابت ، فالليل صديقه وأنسه والنظارة  الكاشفة ، يظهران بحصارهما  هذه الصورة، وإن كانت غير ثابتة ، ولكنها كاشفة برمزية شفيفة هذا الوجع المحاصر .

صورة داله ورامزة على التغير، تغير المشاعر، السلوك ، القيم ، باقي اللوحة/ القصيدة، القصيدة من هذا الصورة الغير واضحة والتي تنكشف لنا وكأننا أمام لوحة بانورامية تجسد الموقف/ الحالة وهو يواصل :

حدوتة جميلة في يوم باخت

يقولولي قلوبنا معاك طبعا

وايديهم بلاقيها في ضهري

ألبس نضارتي جميل جدا

من برة الموقف أوي بايخ

باهتين والكدب مفسرهم

هذا الصورة التي تكمل بانوراما المشهد / الحدوتة ، تطرح بأسلوبها السهل الممتنع رحلة الوجع الإنساني بتلك المشاعر المضطربة بين القول والفعل حتى تصل لقمتها وهي يقول بوضوح :

اللّمة عشان بس الصورة

اضحك وياهم واختارهم

وماحدش أبدا يختارني

كل امّا اكسبهم بخسرني ؟؟

الوحدة طريق شكله مطول

الصورة رغم بساطتها منحوتة بفنية شفيفة وتكشف وتكمل بانوراما الخديعة والوجع الإنساني التي يعزف عليها الشاعر معظم قصائده وتصبح الهم الأكبر والأعظم في دفتره الشعري .

ولأنه يبحث عن عالم مثالي، وتعيش بداخله تلك المثالية المعذبة والجالدة بالذات ، يعترف :

اصل انت أحلامك وردية

شغال في حياتهم وردية

وماحدش يدفعلك أجرة

بهذه الصورة/ الجناس ، يعري المشهد/ الواقع تماما

ويستسلم تماما للواقع الأليم عندما يقرر:

من بره فريم النضارة

تقدر تتكلم عن بُكره

خُد بالأسباب

واعملك باب من غير أُكره

تلك القصيدة الكاشفة تفتح باب الغد عن الواقع الأليم الموجع ، هذا الباب الذي يدخلنا إلى بوابات / متاهة/ قصائد،  تجسد سيرة الوجع بصورة مختلفة ، فما إن ندخل للقصيدة التالية " سيلفي" حتى تطل علينا الصورة/ المشهد ، بكل ما تطرحه من تمثلات وتماثلات ورؤى دالة كاشفة بتلك البساطة العميقة الملازمة لتجربة الشاعر ، يقول في مدخل القصيدة:

من غير ما أفكر .. بتصور

من غير ما أفكر .. بتهور

متأخر دايما في الدنيا

وسابقهم بس أنا في الصورة

مين شاطر حل الفزورة؟!

هذه الصورة المتجملة التي تظهر الصورة المخادعة، رمز لتجميل الواقع المخادع، وكأن الصورة السيلفي هي صورة الواقع بكل مافيه من محاولة للتجمل، محاولة لا تستطيع طمس الحقيقة الواقع ، فإن كانت القصيدة السابقة التي تحمل عنوان الديوان تظهر صورتهم الباهتة " باهتين والكدب مفسرهم " ، نجد قصيدة " سيلفي" تقدم نفس الصورة بمشهد مغاير وصورة تؤكد اهتزاز الصورة / رمز الواقع/ القيم الإنسانية ، ترسم المتناقضات :

والكل بيضحك من خلفي

ضحكتي هتبانلك مهزوزة

....

على كتفي ايدييهم مسنودة

ومابينا مفيش يمكن سم

على عكس قلوبنا اللي مابينها

مسافات وحاجات

وإن كانت  الوحدة بتلسعه في القصيدة الأولى :

مع طوبة الوحدة بتلسعني

والجرح لوحده بستنى

نجدها في القصيدة الثانية يشعر بها في وجودهم :

مش قادر أكمل وأنا وياهم

حسيت بالوحدة وأنا معاهم

وعلى هذا المنوال ينسج الشاعر القصائد وهو يطل على الحياة من بره فريم النضارة ، يجسد سيرة العشق والوجع من خلال قصائد ممزوجة بروحه العاشقة ، وما أعذب أن يهمس في قصيدة " قلب قماش " :

وأنا قلبي اتعود على قربك

عيل وف قلبك متشعبط

أنا خيط متلخبط من مدة

وبداية الخيط شابكة في روحي

وإيديكي بتنسج في مشاعري

 

مساحة إعلانية