مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

قراءة في رواية رجاء الفولي من ثقوب الليل ينحدرون بقلم ..عبد الحافظ بخيت متولي

2026-06-19 09:38 PM  - 
قراءة في رواية رجاء الفولي من ثقوب الليل ينحدرون  بقلم ..عبد الحافظ بخيت متولي
من ثقوب الليل ينحدرون

أليات التجريب وتجليات السرد ... قراءة في رواية "من ثقوب الليل ينحدرون"  للكاتبة رجاء الفولي     

  الكاتب الناقد عبد الحافظ بخيت متولي  

رواية "من ثقوب الليل ينحدرون" رواية صادرة عن الهيئة العامة للكتاب ، وتقع في 212 صفحة من القطع المتوسط ،وتتكون من سبع وتسعين مقطعا مرقما ، وهي رواية اجتماعية تتسلل من خلف السرد إلي الكشف عن واقع اجتماعي يفتقر إلي الإنسانية ويعيش كما تعيش قطعان الماشية ، وتبدو مطاهر الحياة الطبيعية لمجموعة من سكان القرية يعيشون في عزلة تامة عن العالم؛ حيث يعيشون عالما خاصا بهم وإطارا إنسانيا محددا لا يخرجون عنه، فمجتمع الرواية هو أحد مجتمعات قري الصيد الذي يعيش علي أطرف الحياة والسكون بالفطرة الإنسانية  ومظاهر اللاواقعية والانحدار إلي وعي الخرافة بشدة

 آليات التجريب

يري البعض أن كل عمل روائي متحقق بشكل فني لابد أن يكون به قدر من التجريب ، والتجريب  ليس هو الخروج عن الخط السائد في الرواية وكسر أيقونة المألوف والمعتاد في آليات العمل الروائي ، وانما هو الوعي الذي يكمن في عقل المؤلف ويمثل رؤيته في التمرد علي الانماط السائد ومحاولة كسر الرتابة السردية ونمطية توظيف البعد الزماني التقليدي ، وهو يعمل علي تهديد الأنساق الجامدة وتقويضها وزلزلة اليقين المطلق، وزعزعة الثابت والمستقر في العمل الفني ،ومناهضة التقليد الأعمى والايمان بالنسبي والمتحول في بنية الخطاب الفني ، والامتثال لغواية التمرد والمغامرة والبحث الدائم عن المغاير والمختلف بحسب ما يري الدكتور مصطفي بيومي

ومن ثم فإن التجريب مغامرة في الشكل والمضمون، وزلزلة الوضع الحكائي في الرواية مع قدرة الكاتب علي ضبط مسألة التجريب بشكل فني دقيق بحيث لا يخرج العمل الروائي مهلهلا أو يقع في غواية الغموض ، وقد كان التجريب في هذه الرواية واعيا تماما بكفية التمرد علي الأنساق التقليدية للعمل الروائي واتخذ عدة مظاهر هي

  • العتبات النصة

أولا : العنوان

من المعروف ان العتبات النصية هي المدخل الحقيقي لقراءة العمل الأدبي وهي مفاتيح التقاء المتلقي بالنص وتحديد العلاقة بينه وبين النص ومن اهم هذه العتبات هو العنوان ولذلك فان فنية بناء العنوان تأتي موازية لفنية بناء النص لأنه المؤشر الأول لقبول النص أو رفضه ونحن في هذه الرواية أمام عنوان ذي سياق تركيب مختلف " من ثقوب الليل ينحدرون " وهذا التركيب يشير الي زمان الانحدار ومكان الانحدار والشخصيات التي قامت بالانحدار ويفتح شهية المتلقي لمحاولة البحث عن اجابة لتلك الاسئلة التي يطرحها هذا العنوان ، كما ان التركيب الذي يحتوي علي زمان ومكان وحركة وحدث وشخوص يحيلنا حالة سردية تعتمد علي ثنائية الليل والنهار أو الظلام والنور وتوظيف وكذلك الحركة في توظيف الفعل والثبات في توظيف الاسم ، ومن هنا فنحن امام عنوان دال فيه من الاحالات والشعرية قدر كبير وهو عنوان وثيق الصلة بالمتن ويحمل دهشة التركيب بتقديم حرف الجر " من" علي سياق العنوان يشير الي انفتاح زواية المسكوت عنه في العنوان

ثانيا : الإهداء

يقول الاهداء " ‘لي الصديق المبدع والناقد المسرحي محمد حامد السلاموني الذي تعلمت منه أن ( الرواية أكبر من مجرد حكاية بكثير ) فإليه أهدي هذا العمل

وإذا كان الإهداء يمثل عتبة مهمة من عتبات النص فهو هنا تقدير من الكاتبة إلي شخص أفادت منه وهو اهداء كاشف عن وعي الكاتبة بمسألة التجريب حيث إن الرواية ليست مجرد حكاية ولذلك وضعت هذه الجملة بين قوسين لتشير الي اهمية هذا الوعي والعمل علي اختباره في هذه الرواية ويحيا أيضا ألي أن الحكي السردي في هذا العمل خارج عن المألوف لا محالة

  • المتن السردي

يشكل المتن السردي جسم الرواية الذي يحمل الحكاية وبناء الشخصيات وتحولات السرد وآليات توظيف الزمن والمكان وحركة الشخصيات وبناء الحدث وغير ذلك وقد تعارفت الرواية علي نمطية البناء الزمني وبنية الحدث من أسف الي اعلي بيد أن هذه الرواية خرجت عن المألوف الروائي ودخلت في حالة من التجريب في بنية خطابها تمثلت في عدة مظاهر ربما كان أهما

  • تداخل الحكايات

يأتي تداخل الحكايات تيمة فنية مدهشة في هذه الرواية حيث ان كل حكاية تستدعي الأخرى في تقاطر فني جميل مع حافظ كل حكاية علي متنها السردي وكأننا امام مجموعة من الحكايات متشابكة ومنفصلة في الوقت نفسه ، فحكاية حياة تستدعي حكاية سرية وحكاية سرية تستدعي حكاية العفريت وحكاية العفريت تستدعي حكايات هبابة وهكذا تنطلق الحكايات كأنها قطعا من البلور تتناثر هنا وهناك ولكنها قطع لها قوامها الجمالي والدلالي

  • البطولة الجماعية

حرصت هذه الرواية علي توزيع البطولة علي جميع اشخاص الرواية فليس هناك بطل مركزي يتحرك في الأفق الروائي وليس هناك حدث مركزي أيضا وذلك لان هذه الرواية مفتوحة علي عالم هامشي ايضا هو عبارة عن قطعان من البشر تتحرك في مجتمع ضيق في صعيد مصر ، قرية مصرية منفية في زوايا العالم لا تعرف في الكينونات الانسانية ولا يشعر بها أحد حتي قصر الاغنياء منقطع الصلة بالعالم الخارجي ، ولذلك فكل شخصية في هذه الرواية له نصيب من البطولة وان تميزت حياة والنوبي ببعض المساحة الزائدة وذلك لانهما يمثلان المفارقة الانسانية في هذه الرواية  حتي العفاريت ايضا تلعب دورا مهما في تشكيل الوعي البطولي لشخصيات هذه الرواية التي تقرأ التاريخ من اسفل في المجتمع المصري وبخاصة سكان الجنوب، وهذا ليس من قبيل تمجيد هذا المجتمع الانساني عن العالم المعزول وانما من قبيل الاشارة اليه كواحد من قبح العالم الذي نعيش فيه

  • الانفصال والاتصال في جسد النص وبنيات المحكي

تتكون هذه الرواية من سبع وتسعين مقطعا أو مشهدا إذا جاز لنا التعبير ويبدو من القراءة السطحية أن كل مقطع منفصل عن الآخر وكل مقطع يصور جانبا من حياة الشخوص المختلفة مرتبطة بحركة الليل والنهار وتعتمد علي تلك الاسقاطات الزمنية في حركة الليل والنهار باعتبارها الاطار المرجعي لحركة الحياة داخل هذه القرية ولكل منهم موقف من الليل والنهار فالشمس تؤذي حياة والليل سمير النوبي ومنطقة الرعب بالنسبة لهبابة بل الاكثر من ذلك ان حركة الليل والنهار مرتبطة بالعمق النفسي الداخلي للأشخاص وهنا لا يشكل الزمن اطارا فنيا لتحرك الاحداث داخل الرواية وانما يشكل صدي لذاكرة السارد الذي يسكن في الماضي ربما هربا من الواقع ومن هنا ندرك ان هذه المقاطع حلقات متصلة يتردد فيها صدي الاصوات داخليا وخارجيا والتمرد علي نمطية الزمن فلا يتعاقب الليل والنهار بشكل فيه من الرتابة بقدر ما فيه من نبرة الصراع النفسي والاجتماعي في مجتمع غابت عنه المعرفة فكانت الخرافات والاساطير هي المصدر المعرفي لهذا المجتمع ، ونجحت الكاتبة في تحويل الثقافة الاستهلاكية الي بؤر جمالية طالعة من وعي الثقافة الشعبية عبر محددات رواية يحمل كل محدد منها رقما معينا كل رقم يفضي الي الاخر في تشابك جمالي مهيمن لان ولذلك جاءت استهلالات كل مقط تأسيسا خياليا لتجليات الجانب الواقعي وهذه المفارقة تصنع نوعا من الدهشة المختلفة في التلقي كما في ص 30

" ثمة ثقوب تندلق منها خيوط غير مرئية تتأرجح بين الأرض والسماء تتناوب عليها الحكايات والأشباح صعودا وهبوطا، في العتمة تنشط الحكايات المدفونة في بئر الوجع تشرئب برؤوسها تطفوا متلمسة طريقها لكي تحيا وتتنفس ، الحكايات تجر الجميع لغوايتها"

هذه التلذذ بالحكايات يعمق الجانب الواقعي ويكشف عن الشخصيات من الداخل ويؤسس لانطلاق الشخصية في الفضاء الانساني واعطي لحياة مساحة كبيرة لاستدعاء صور النساء العائدات من الحقل وهي نائمة بجوار امها واخيها والتي تراهن قبيحات جدا وقطعا  مشوهة من الطبيعة ولذلك تخللتها شماتة اثلجت صدرها والقت بصقة قوية علي الجدار لتغرق البلد كلها ، ومثل هذا كثير في فواتح المقاطع المختلفة والتي تعمد بنية الحكاية فيها علي تأسيس الاستهلال الخيالي مرتبطا بحركة الزمن غير المتصل في الخطاب السردي لهذه الرواية ، واذا كانت الرواية لا تعتمد علي التسلسل المنطقي للأحداث وتبدو كأنها تعتمد علي القفزات السردية من مقطع إلي آخر فإن الاتصال الفني يقف ظهيرا خلف هذه المقاطع ليجمعها معا في بنية سردية متشابكة يفضي كل منها الي الآخر هذا فضلا عن هذه الطبقية وتعالي مجتمع السرايا علي هؤلاء المهمشين وحتي في زواج النوبي من الهانم كانت الطبقية هي الحاكم الاول في العلاقة لأنه ينام في الماكينة الارتوازي ولا يذهب الي السرايا الا عند الطلب وكان السرد طبقيا حتي علي مستوي اللغة فالحديث في القصر بالفصحي الا من مواضع قليلة والحديث خرج القصر بالعامية

  • مواضعات السارد

واذا كان الحديث عن السرد واتصاله في هذه الرواية فإن هذا يجرنا إلي موقع السارد وموقفه حيال هذه البئية الاجتماعية والفنية في هذه الرواية وقد لاحظنا ان السارد في هذه الرواية له ثلاثة مواقع مختلفة هي

  • السارد من الخلف

وهذا يعني ان السارد يقف خلف الشخصية ويعرف كل حركاتها وسكناتها ويتوقع ما سوف يصدر منها ، وهو يعرف أكثر مما تعرفه الشخصي ولذلك يعتمد في بناء الشخصية علي النمط الاستهلاكي وهذا النمط كان كثيرا في هذه الرواية ونسوق مثلا منه حيث تقول الرواية في ص 33

"إلي أن رحل النوبي والماكينة والارض التي كان يرويها بدموعه ؟ صوت ماكينة الارتوازي وانسياب الماء في الارض  مختلطا بصوت ابو قردان يضرب بأجنحته سعيد هنا يرقب أبو قردان ويحسده علي خلو باله ويحدث نفسه ربما كان ابو قردان لا يعرف لحب ولكن هو يعرفه ، يندفع الحنين الي الروح فتفيض بالبكاء"

الراوي هنا يعرف ما يدور في خاطر سعيد  تجاه ابو القردان وهو يحدث نفسه وهذا يجرنا الي مسألة توظيف تيار الوعي في هذه الرواية حيث ان المونولوج هنا واع شكلته تداعيات السرد المحكومة بالوعي والتدعي الحر لتدفق المعلومات عن النوبي الذي دفن في هذه الماكينة وهو حي وهنا نلحظ ايضا عملية الاستباق في السرد حيث استبق السارد بمأساة النوبي قبل وقوعها بعد زواجه من الهانم وفي ص 66 يرصد السارد حديث النوبي لنفسه

"كان النوبي يتابع الغيوم التي تمر أمامه يراها جيدا ويعتقد انها تراه ايضا ، فلكل شئ عينان خفيتان ، قال لنفسه ربما سجل الغيم علي نسيجه تلك الحكايات ، حكايات جدتي وابي وامي ، الحكايات القديمة التي لم يلونها الحزن ، يبدل الغيم الآن ثوبه ، محتمل أن يكون ذلك الغيم الذي يبدو لي نقيا أبيض كالقطن ، ربما خاننا وبكي في مكان ما فتساقطت من جوفه حكاياتنا "

وهذا المنولوج ايضا ينقل وعي الشخصية بهذا العالم من حوله ويكشف عن موقع السارد منها

  • السارد مع او السارد المصاحب

وهنا يعرف السارد ما تعرفه الشخصية ويظل يتلقي من الشخصية انماط تفكيرها ومعرفتها وموقفها تجاه نفسها والعالم مثلما جاء في صفحة 191

" إلا يامه  عمل ايه النوبي جوز الهانم مش انتي كنتي بتشوفيه بيبكي ده كان حاله  ضيع عمره لا هو اتجوزها ولا اتجوز غيرها ما دخلش السرايا قدام الناس الا جثة هامدة واضطرب جسد ام حياة وسرت فيه رعشة قوية تخللتها رغبة في البكاء ثم قالت مش عارفة يا حياة النعش اللي كانوا بيقولو فيه جسد النوبي بصحيح ولا كان فاضي"

هذه المعلومات تقدمها الشخصية نفسها وان كان هذا الحوار يشير الي حزن حياة لأنها لم تتزوج النوبي الا انه يقدم المعلومات للسارد والتي يبني عليها رؤيته السردية التي تتداخل مع القسوة والحقيقة وهذا ما يريده السارد من الشخصية فهو لا يعرف عن النوبي اكثر مما تعرفه حياة وامها من زاوية مراقبته للشخصية

  • السارد من الخارج

وهنا يكون السارد اقل من الشخصية ويكتفي بالوصف فقط دون اي رغبة في قراءة الشخصية من الداخل ويكتفي بدور المراقب وهذا من شأنه أن يثير قلق المتلقي ويصنع نوعا من التشويق لديه ويسيطر هذا السارد علي كثير من الخطاب الروائي في هذه الرواية ومنه مثلا ما جاء في صفحة 161

"قال هبابة ايوه جربت كل الوصفات عشان اكشف حياة العفريت ، الشيخ المشعوذ اللي ساكن علي أطراف البلد يطلق البخور في القبة الطينية اللي هي شبه مقام الشيخ قالي همه مش بيحبوك وانا لا عايز حبهم ولا خدماتهم انا عاوز اقضي علي العفريت واكون بطل زي ابوزيد الهلالي "

هنا السارد لا يعرف شيئا الا ما تقدمه له الشخصية من رؤي ورغبات لكني توقفت عند تجاوز الرواية للسارد بكل انواعه ودخول المؤلف نفسه لينحي السارد جانبا ويستعرض هو ثقافته ويضع صوته مكان صوت السارد من مثل ما جاء ص 157

" حياة لا تعرف انها ليست معشوقة القمر الوحيدة لذلك قادت اوركسترا الأطفال وهي تضرب جردلها الصاج تردد بانفعال مصحوب برغبة قوية في البكاء يا بنات الحور سيبوا القمر يدور " فمن أين لفلاحة بسيطة ان تعرف الأوركسترا ؟ وفي ص 166

"قالت جدتي لقد فتحت المرأة الصندوق الذي أهدي اليها في ليلة عرسها كانت مكيدة مدبرة من أحد الآلهة " ثم يقول في السياق نفسه

"أصوات بداخلي تنادي علي وتمارس اغوائها لي أن افتح لها أبواب الحنين الموصدة في قلبي تمنحني ابتسامات تلقي إليَّ بنبوءة لسعادة ما قادمة  كل ما حاولت تجاهل هذا النداء وتلك الأصوات الملحة سمعت طرقا عنيفا داخلي مثل "باندورا" استسلم لغوايتها وافتح الصندوق"

فمن أين لفلاح فقير يعيش في مجتمع معزول ان يعرف صراه الآلهة وأن يعرف اسطورة بانادورا  والتي تحكي عن اسطورة اغريقية يظن الناس أنا أول امرأة نزلت الي الارض هذه هي سطوة المؤلف علي السرد والمبالغة في تضخيم الشخصية لأنه في تصوري المؤلف منحاز جدا لشخصية النوبي في هذه الرواية والتي تتطور به علي امتداد الخيط الدرامي في النص حتي انه في حركة تحولات الضمائر في الرواية يأتي ضمير المتكلم مختصا بالنوبي فقط في المقطع رقم 15 والمقطع 26 والمقطع 27 والمقطع 30 والمقطع 31 والمقطع 36 والمقطع 38 والمقطع 40 والمقطع 41 والمقطع 42 والمقطع 43 والمقطع 49 والمقطع 52 والمقطع 53 والمقطع 54 والمقطع 55 والمقطع 56 والمقطع 57 والمقطع 59 والمقطع 60 وبداية من المقطع 62 يبدأ الحديث عن النوبي بضمير الغائب وهذا التوظيف مقصود لذاته في الرواية حيث كثافة ضمير المتكلم تتناسب مع عنواني النبوي قبل زواجه من الهانم وضآلة توظيف ضمير الغائب تتناسب مع وهنه وضعفه بعد زواجه من الهانم وهذا الوعي بالتوظيف يشكل درجة عالية من فنيات الخطاب السردي في هذه الرواية ، وهذا يشير الي ان الكاتبة شديدة الانتباه الي علاقة البيئة الخارجية مع الممارسة الفنية

  • توظيف العجائبي والسحري

ان تراثنا القديم وبخاصة في الجنوب وفي القرية الجنوبية يحمل من العبء العجائبي حمولات موجود بالأصل فعلا من تراث حكي الجدات عن العفاريت والجن وهذا موجود لدينا بالفطرة وهو جزء من تكوين الشخصية الصعيدية التي هي متطرفة الي حد القتل عاطفية الي حد البكاء ، هذه الثنائية حاضرة بقوة في هذه الرواية ولها دور فعال في الحبكة الفنية وسلطة السرد وتنويعاته وكذلك سلطة العجائبي والخرافي علي وعي الشخصيات فظلال الحكايات في هذه الرواية تكشف وهن الشخصية وحضور العفاريت يحيلنا الي تدني الوعي عند الشخصيات محور مجتمع الرواية  وهذه البقعة من العالم التي لا تشير الرواية الي تاريخ محدد وكأنما الرواية هي التي تصنع لها تاريخها وتعيد بعثها من مرقدها فضلا عما تنتجه حكايات العفاريت والأولياء والأضرحة من تشويق وخدمة السرد وصناعة الحبكة وكأنما هذا التوظيف جاء مقصودا كقناع يختفي خلفه الرواية في كشف قبح العالم واذا كان القديم ينتمي الي بناء معين في عرض الشخصية قبل دخول الكهرباء فإن الجديد بعد دخول الكهرباء يأتي باهتا ايضا ويحيل الي هذا الميراث حتي من باب السخرية

" وضرب هبابة كفا فكف وقد تنازعته مشاعر خوف وحيرة لا يدري كنهها إلا أنه عندما وجد النور ينهمر من تلك الأعمدة الحديدية الفارعة الطول قال باسما شغل عفاريت والله "

وذلك لان الميراث كامن في عمق الشخصية حتي مع التطور المجتمعي ولان الانسان الذي يعيش في مجتمع بدائي لابد ان يفسر ظواهر الطبيعة الجديدة تفسيرا خرافيا ولم تكن حكايات ام النوبي وجدته وحكايات ام حياة الخرافية وعفريت هبابة وعلاقة بخيته أم النوبي بتميمة النوايات السبع وغيرها تلعب دورا مهما في صناعة الخيال واقترب هذا التوظيف في الرواية من حكايات ألف ليلة وليلة  وصرحت الرواية بهذا في قولها في ص 35

" الجميع بلا استثناء يقع في أسر الحكايات ،ألم تؤجل الحكايات موت شهرزاد في ألف ليلة وليلة"

واذا كانت هذه العجائبية تمثل جانبا معرفيا في ثقافتنا الشعبية فإنا في هذه الرواية تحقق جانبا جماليا مهما يجعلنا نقع في ظلال اللغة ونضع ايدينا علي ما تسكبة الذاكرة الروائية وما تحمله من رسائل مهمة الي العالم حول تلك الكائنات التي تعيش في عالم مجهول وتكشف عن خصوصيتها المعرفية ايضا التي تقدسها الرواية والواقع معا ووضع قيمة لمن لا قيمة له في عرف المجتمع والكشف عن سيكولوجيته وبروز تلك الثنائية بين الواقع والخيال والتي تخدم البعد الجمالي في العمل الروائي

  • التناص

ربما كان التناص في الرواية من أهم خصائص التجريب فيها والعمل علي دعم الحبكة والنمو الدرامي للسرد ، وتماهي النص مع سياقات أدبية أخري ولذلك يشكل التناص تقاطعا وتداخلا بين نصوص مختلفة وبأشكال مختلفة وهو تقنية جديدة علي العمل الروائي من شأنها ان تعمل علي دعم السرد وقوة الحبكة وخدمة النص الادبي في عمقه الفلسفي وتوسيع دائرة التشويق والتلقي فضلا عن دعمه المعرفي وقد وظفت هذه الرواية التناص بشكل ملفت واطار محسوب لا يخرج عن السياق العام للبعد الدرامي ، فقد تناصت مع القران والاغنية الشعبية والعديد ومنه ما جاء علي لسان النوبي في صفحة 128

" جلسنا في كُتَّاب الشيخ مهدي في صفوف منتظمة تكاد اكتافنا تلتصق ببعضها ، فتح الشيخ مهدي مصحفه وبدأ في القراءة حتي وصل الي قوله تعالي

يوم تبيض وجوه وسود وجوه فأما الذين أسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ، وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون " خلت كل من في كتاب الشيخ مهدي يحدقون بنظراتهم في من عرق الخجل أخذ يغسلني وفي طريق عودتي الي البيت مشيت صامتا حتي الكلاب استشعرت كآبتي فظلت صامتة ولم تصدر عنها أية حركة ، فقط أنا الذي كانت تتعالي أصوات بكائي، لماذا يكون الأسود دائما إشارة الي الهلاك ورمزا للقبح"

ان التناص مع القرآن هنا اتخذ من الآية القرآنية متكئا لكشف الذات من الداخل وحجم عذابتها لأنها مختلفة في اللون عن بقية البشر وعمقت هذا المعني وحولته من حالة فردية الي حالة كونية وفي ص 57 يأتي التناص مع العدودة الشعبية كاشفا حزن ام حياة لأنها اشتركت في زواج النوبي من الهانم وكأنها تتنبأ بموته فالعدودة هنا عدودة النبوءة

أحزن عليك بأربع عقود كحلة ... اتنين عليك واتنين عن الدخلة

أحزن عليك باربع عقود سودة ... اتنين عليك واتنين علي العوزة

أحزن عليك باربع عقود خضرة ... اتين عليك واتنين علي الفرقة

  • توظيف المشاهد السينمائية

جاءت مقاطع الرواية متعمدة عل عين كاميرا السارد الرئيسي الذي يرسم المشاهد بتقنية السينما وقد امتلأت الرواية بهذه المشاهد التي تحتوي علي الصوت واللون والحركة وكأنها مشاهد متحركة أمامنا نكاد نقبض عليها بأيدينا ومترعة بالخيال أيضا وهذه المشاهد خلقت للسرد حالة من الجمال والتدفق عبر لغة تقترب كثيرا من الشعرية حتي إنا بعض المقاطع في الرواية يكاد ان يكون قصيدة نثر لان المخيال الرئيسي في الرواية يضعنا بين اللغة وظلالها وكأننا نقرأ لغة فوق اللغة

ولقد نجحت هذه الرواية بشكل كبير في آليات التجريب المحسوب في الفن الروائي وحملته طاقة رمزية وايحائية خدمت الشكل الروائي عندها والذي ليس مجرد حكاية.

مساحة إعلانية