مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

صابر سكر يكتب:حق الدفاع وحياد القاضي.. ضمانتان للمحاكمة العادلة

2026-10-10 12:21 PM  - 
صابر سكر يكتب:حق الدفاع وحياد القاضي.. ضمانتان للمحاكمة العادلة
صابر سكر

[7:25 م، 2026/10/9] صابر سكر: من المبادئ المستقرة في الفقه الإسلامي أن القاضي لا ينبغي له أن يفصل في الخصومات وهو واقع تحت تأثير الغضب أو السخط أو أي انفعال من شأنه التأثير في اتزانه النفسي، وذلك ضمانًا لاستقرار نفسه على الاعتدال والتوازن، بما يعينه على تحقيق العدل ويجنبه الميل والجور في الحكم.
فالقضاء ليس مجرد إصدار أحكام، وإنما هو أمانة ومسؤولية تقتضيان التجرد والإنصاف، والاستماع إلى الخصوم على قدم المساواة، وتمكين كل طرف من عرض دفاعه وأدلته وحججه بحرية، دون تمييز بين خصم وآخر بسبب مكانته أو صفته أو نفوذه.
وقد عبّر الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، عن هذه المبادئ في رسالته الشهيرة إلى أبي موسى الأشعري حين ولاه القضاء، مؤكدًا أهمية الفهم الدقيق للخصومة، والعدل بين الناس في المجلس والوجه والقضاء، وعدم التمييزه …
[9:16 م، 2026/10/9] صابر سكر: الدليل الرقمي يقود إلى البراءة.. 12 مبدأ قضائيًا ترسخ ضمانات العدالة الجنائية
تقرير / صابر سكر
أرست محكمة جنايات الجيزة، برئاسة المستشار الدكتور محمد السيد الجنزوري، في حكمها الصادر بجلسة 9 أغسطس 2026، في الجناية رقم 2298 لسنة 2ينة جنايات قسم شرطة الطالبية، والمقيدة برقم 2961 لسنة 2026 كلي جنوب الجيزة، مجموعة من المبادئ القضائية المهمة بشأن تقدير الأدلة الجنائية، وحدود التعويل على أقوال مأمور الضبط القضائي، وحجية الدليل الرقمي، وضمانات المتهم في مواجهة الاتهام.
وتناولت القضية اتهامًا بإحراز جوهر مخدر بقصد الاتجار، وإحراز سلاح أبيض دون مسوغ قانوني. إلا أن المحكمة، بعد فحص أدلة الاتهام والنفي، ومشاهدة مقطع مرئي قدمه الدفاع، وموازنة أقوال الشهود بما تضمنته الأوراق، لم تطمئن إلى ثبوت الاتهام على النحو الذي يبرر الإدانة.
ويكشف الحكم عن أهمية الدور الذي يؤديه القاضي الجنائي في الوصول إلى الحقيقة؛ فالمحكمة لا تكتفي بترديد ما ورد في محاضر الضبط، ولا تعتبر تعدد الأدلة كافيًا بذاته للإدانة، وإنما تفحص كل دليل على حدة، ثم توازن بين الأدلة مجتمعة، لتحدد مدى صلاحيتها لتكوين عقيدة قضائية يقينية.
أولًا: الشك في الدليل يمنع الإدانة
أكد الحكم أن الأصل هو البراءة، وأن الإدانة لا يجوز أن تقوم على مجرد الاحتمال أو الترجيح، بل يجب أن تستند إلى أدلة تطمئن إليها المحكمة. فإذا أحاط الشك بأدلة الاتهام، وتعذر تكوين عقيدة جازمة بثبوت الجريمة ونسبتها إلى المتهم، تعين تغليب أصل البراءة.
ثانيًا: المحكمة صاحبة السلطة في تقدير الأدلة
أوضح الحكم أن المحكمة ليست ملزمة بتبني الصورة التي يقدمها شاهد الإثبات، بل يتعين عليها مقارنة أقواله بأقوال شهود النفي وسائر الأدلة المطروحة، وصولًا إلى الصورة التي تطمئن إليها. فالعبرة ليست بما ورد في الأوراق وحده، وإنما بمدى توافقه مع الحقيقة التي تكشف عنها الأدلة.
ثالثًا: أقوال مأمور الضبط القضائي تخضع للفحص والتقدير
لا تمنح صفة مأمور الضبط القضائي أقواله حصانة من المناقشة أو النقد، وإنما تخضع، شأنها شأن غيرها من الأدلة، لتقدير المحكمة. ولها أن تأخذ بما تطمئن إليه من أقواله، وأن تطرح ما لا ترتاح إليه، متى استند تقديرها إلى ما هو مطروح أمامها في الدعوى.
رابعًا: شهادة النفي قد تكون حاسمة في تكوين الاقتناع القضائي
لم تتعامل المحكمة مع شاهدي النفي باعتبارهما مجرد طرف مقابل لشاهد الإثبات، بل فحصت أقوالهما ومدى توافقها مع بقية الأدلة. واطمأنت إلى ما قرراه بشأن تسليم المتهم نفسه عقب اتصال عمه به، والقبض عليه دون تفتيش، وهو ما أثر في تقديرها لرواية الاتهام.
خامسًا: الدليل الرقمي قد يكشف تناقض الروايات
اكتسب المقطع المرئي الذي قدمه الدفاع أهمية خاصة في القضية، إذ شاهدته المحكمة بنفسها، واستخلصت منه صورة للواقعة لم تتفق مع جوهر الرواية التي طرحها شاهد الإثبات.
ويؤكد ذلك أهمية الأدلة الرقمية في الإثبات الجنائي، متى كانت مطروحة على المحكمة واستقامت دلالتها واطمأنت إليها. فالتسجيل المرئي قد يسهم في كشف التناقض بين الأقوال والوقائع، ويؤثر في مدى صلاحية الدليل لتأسيس حكم بالإدانة.
سادسًا: التناقض الجوهري في واقعة التفتيش والضبط لا يجوز تجاهله
إذا تعارضت رواية شاهد الواقعة مع ما كشف عنه الدليل المرئي في مسألة جوهرية، مثل كيفية القبض على المتهم وتفتيشه وضبط المضبوطات، وجب على المحكمة فحص هذا التعارض وتقدير أثره في ثبوت الاتهام.
وفي هذه القضية، لم تطمئن المحكمة إلى ثبوت واقعة التفتيش والضبط بالصورة التي وردت في رواية شاهد الإثبات، وهو ما انعكس على تقديرها لمدى ثبوت صلة المتهم بالمضبوطات.
سابعًا: إثبات وجود المخدر لا يعني بالضرورة إثبات حيازته من المتهم
فرّق الحكم بين إثبات وجود المادة المخدرة وإثبات إحراز المتهم لها. فمجرد ثبوت وجود مخدر في واقعة معينة لا يكفي وحده لنسبة حيازته إلى شخص بعينه، بل يتعين إقامة الدليل على الصلة بين المتهم والمضبوطات.
كما أن ثبوت طبيعة المادة فنيًا يختلف عن إثبات حيازتها جنائيًا، ولكل منهما دليله الذي يجب أن تتوافر فيه مقومات الاقتناع القضائي.
ثامنًا: التقرير الكيماوي يحدد طبيعة المادة ولا يحسم وحده نسبة الحيازة
أثبت تقرير المعمل الكيماوي أن المضبوطات عبارة عن قطعة سمراء من جوهر الحشيش المخدر، بلغ وزنها قائمًا 57.50 جرامًا.
وتظل هذه النتيجة متعلقة بطبيعة المادة المضبوطة، ولا تغني وحدها عن إثبات أن المتهم هو من أحرزها، أو عن التحقق من توافر القصد الجنائي الذي يتطلبه الاتهام. فالتقرير الفني يحدد ماهية المادة، بينما تتولى المحكمة تقييم أدلة نسبتها إلى المتهم.
تاسعًا: الإقرار الوارد بمحضر جمع الاستدلالات ليس دليلًا ملزمًا للمحكمة
تمسك المتهم بإنكار الإقرار المنسوب إليه منذ بدء التحقيقات وأمام المحكمة. ولما لم تطمئن المحكمة إلى صحة صدوره، طرحت هذا الإقرار ولم تعول عليه في تكوين عقيدتها.
ويؤكد ذلك أن مجرد تدوين قول في محضر لا يجعله حقيقة ثابتة، وأن الاعتراف لا تكون له قيمة في الإثبات إلا بقدر اطمئنان المحكمة إلى صحته وسلامة صدوره، ومدى توافقه مع بقية أدلة الدعوى.
عاشرًا: الظن لا يعوض نقص الدليل
لا يجوز بناء الإدانة على عبارات من قبيل «ربما» و«لعل» و«قد يكون»، لأن الاحتمال قد يبرر مواصلة البحث والتحقيق، لكنه لا يكفي وحده لتوقيع العقوبة.
فإذا لم تبلغ الأدلة الحد الذي يسمح للمحكمة بالاطمئنان إلى ثبوت الاتهام، فلا يجوز استكمال ما ينقصها بالافتراض أو التخمين، بل يتعين الاحتكام إلى أصل البراءة.
حادي عشر: الشرعية الإجرائية ضمانة أساسية لحماية الحرية
أكدت المبادئ التي تناولها الحكم أهمية خضوع الإجراءات الجنائية للدستور والقانون، باعتبار أن احترام الضمانات الإجرائية ليس عقبة أمام مكافحة الجريمة، وإنما وسيلة لضمان مشروعية عمل السلطات وحماية الحقوق والحريات.
فالعدالة لا تتحقق بمجرد الوصول إلى نتيجة، بل تتطلب أيضًا أن تقوم الإجراءات والأدلة على أسس قانونية سليمة.
ثاني عشر: البراءة ليست تساهلًا مع الجريمة، بل تطبيق لقواعد الإثبات
تجسد الحكم في تأكيد أن غاية القضاء الجنائي ليست إدانة كل من توجه إليه تهمة، وإنما إدانة من تثبت مسؤوليته بالأدلة التي تطمئن إليها المحكمة.
فإذا لم يثبت الاتهام على نحو كافٍ، فإن القضاء بالبراءة يكون تطبيقًا لأصل البراءة وقواعد الإثبات، وليس تفضيلًا للمتهم على المجتمع أو انتقاصًا من جهود مكافحة الجريمة.....
ونري أن  أهمية هذا الحكم في إبراز العلاقة بين قوة الدليل وسلامة الاقتناع القضائي، والتأكيد على أن تعدد أدلة الاتهام لا يغني عن فحصها، وأن أقوال مأمور الضبط القضائي تخضع للتقدير، وأن الدليل الرقمي قد يؤدي دورًا مؤثرًا في كشف التناقض بين الروايات.    
كما يوضح الحكم ضرورة التمييز بين ثبوت طبيعة المادة المضبوطة وثبوت حيازتها من المتهم، وبين تدوين الإقرار في محضر والاطمئنان إلى صحته، فضلًا عن أهمية احترام الضمانات القانونية في جميع مراحل الإجراءات الجنائية.
فالعدالة الجنائية لا تقوم على مجرد الاشتباه، ولا تستمد قوتها من شدة العقوبة، وإنما من سلامة الدليل وقدرته على إثبات الاتهام. وحين لا تطمئن المحكمة إلى ثبوت الجريمة، تبقى البراءة هي الأصل الذي لا يجوز العدول عنه بغير دليل كافٍ.
وننوه أن عرض هذه المبادئ في إطار التناول الصحفي لأسباب الحكم والوقائع الواردة ، دون نقل حرفي لأسباب الحكم الرسمية.

مساحة إعلانية