مساحة إعلانية
من طين هذا النيل الساكب في أرواحنا ألف لوعة وألف حكاية، ومن ذرات ذلك التراب المقدس الذي يفوح بمسك الشهداء والأولياء، تنبعث هويتنا المصرية لتلتحم بوجداننا كعناق أبدي لا يفكه الموت. فمنذ نعومة أظفارنا ونحن نغوص حباً في هذه الهوية، حيث تشربناها مع حليب الأمهات، وألّفنا لها أغنياتٍ باتت تسري في جيناتنا قبل العقل؛ بدأت بتلك الترانيم الدافئة لـ "نام نينه نام"
التي تهدهد بها الأم المصرية رضيعها وهو ما زال في اللفّة، وتلتها بنبرات الفرح والتشجيع عند أولى خطواته في الحياة وهي تغني له "تاتا تاتا خطي العتبة"، في نسيجٍ عبقري فريد يمزج بين الجذور الفرعونية الممتدة والروح العربية الأصيلة.
ثم تتجسد تلك الهوية في أبهى صورها وأكثرها سحراً، عندما كانت الجدّة المصرية الواعية تجلس والدفء يملأ عينيها، لتحكي لأحفادها حكايات ألف ليلة وليلة؛ فتسافر بعقولهم الغضة في عوالم من الخيال والتربية, وتغرس في وجدانهم قيم الانتصار للخير والنبل والكبرياء دون أن يشعروا
ولم تقف الهوية المصرية عند حدود الأغنيات والحكايات، بل تغلغلت عميقاً في تفاصيل طعامنا الموروث من الأجداد؛ إنها تتجسد حية في رائحة "الملوخية" بطشتها التي تجمع القلوب حول المائدة، وفي قِدرة "الفول" رفيق الكفاح والصباحات الشقية، وقراص "الطعمية" الساخنة التي تروي حكاية بساطة هذا الشعب، وطبق "البصارة" الممتد بجذوره إلى عمق التاريخ الفرعوني ليؤكد صلة هذا المواطن بأرضه. ومن طعام الأرض إلى مزاج أصحابها، تتجلى الهوية في تفاصيل يومية بسيطة لكنها تصنع فارق الحياة؛ تجدها حية في كوب "شاي خمسينة" يضبط إيقاع اليوم بعد ساعات التعب، وفي رشفة قهوة سمراء تعدل المزاج على عتبة صباح جديد، وفي تلك الضحكة الصافية النابعة من أعماق القلب على حكاية طريفة تروى في المقهى الشعبي حيث تلتقي الأرواح وتذوب الهموم
الهوية في الشرايين والراس والقلب.. مش في الكتاب ولا الكراس! إنها التوليفة المعجزة التي لا يمكن لكتاب جامد أن يختصرها، بل تعيش حية متحركة في وجدان العامة والبسطاء وتعلن عن نفسها في أطهر المشاهد؛ فتجد الرجل البسيط غير المتعلم، يمتلئ قلبه بفرحة عارمة وسعادة لا توصف وهو يتابع افتتاح المتاحف الوطنية، ولما فُتحت أبواب المتحف المصري الكبير انطلق المصريون إليه بالملايين من كل حدب وصوب، يسيرون بين جدرانه الشامخة، لا ليبحثوا عن نزهة عابرة، بل ليقفوا برؤوس مرفوعة يفتخرون بتاريخ أجدادهم الفراعنة العظام، ويستمدون من ملامح التماثيل والآثار كبرياءً دفيناً يؤكد لهم أنهم أحفاد ملوك صَنعوا الفجر الأول للضمير الإنساني
وتكتمل العاطفة المصرية ، حين يجلس الكل على قلب رجل واحد لمشاهدة مباراة منتخب مصر؛ في تلك اللحظة الفارقة، ولما مصر بتجيب "جون" في الارجنتين ، تنفجر المقاهي والشوارع بفرحة عارمة تزلزل الأرض، وترى المشهد الإعجازي الذي لا يحدث إلا على هذه الأرض، حين يحضن المواطن من بجواره بدموع واشتياق رغماً عن أنه لا يعرفه ولم يره من قبل، لكنه "دم ابن البلد" الذي حرك الساكن في صدورهم.
وفي ذات اللحظة، تجد العيال الصغيرة في الشوارع والبيوت، تلوح بأعلام مصر وهي تبكي من فرط الفرح والوجل، يغنون بحماس طفولي طاهر "بلادي بلادي بلادي" على أنغام رائعة العظيمة شادية "يا حبيبتي يا مصر".
إنها دموع الفرح والولاء التي ولد معهم بالفطرة، لتؤكد أن حب هذا الوطن ليس كلاماً يُقال، بل هو عقيدة تجري في الشرايين
إنها الهوية التي تتجسد يقيناً في ذلك الدم الحار الذي يمشي ويتمشى في عروقنا، يتدفق عابراً بين حي وحي، ومن مدينة إلى مدينة، ليدق في صدورنا لغاية لما نصبح كلنا دماً واحداً، وقلباً واحداً، ووطناً واحداً!
فترى المغناطيس الإنساني العجيب يحركنا ليتعاطف الكل مع بعضه، ويسارع الجميع لمساعدة المحتاج؛ تجد في المصائب والمحن تلك الوقفة الشامخة لرجال ونساء وأهل البلد الأوفياء، يقفون كالجبال الشامخة حتى مع من لم يعرفوهم يوماً، وتلمح ذلك النبل الساكيب في الوجدان وهو ينتفض تعاطفاً ولوعة مع دمعة طفل حزين تائه يراها المواطن على وسائل التواصل الاجتماعي، ليتداعى لها الجسد المصري كله بالسهر والحب والنصرة.
وتتجلى عظمة هذه الهوية ونقاؤها في أسمى آيات الوحدة والتآخي والمواطنة الحقة؛ الكامنة في وجدانك عندما تجد جارك المسيحي يقف معك كتفاً بكتف في سرادق العزاء، لا يكتفي بالمواساة العابرة بل يتقبل العزاء كأنه صاحب بيت، يشد على يدك ويقاسمك نياط حزنك، وتجد نفسك دون تفكير تهرول نحو الكنيسة لتشارك صاحبك المسيحي في مصابه الأليم، فتنساب الدموع الساخنة من عينك رغماً عنك، حزناً خالصاً وفاءً لحزن صاحبك.
لا فوارق تفصلنا ولا فتن تهزنا، فالكل واحد على أرض مصر، تظلهم سماء واحدة وتجمعهم تضحيات واحدة ويوحدهم تراب هذا الوطن العظيم
إنها الهوية التي لا تُدرك بالشعارات، بل تُستشعر بغصة الصبر الحارة في صدور الأمهات، وبعرق الجبين الطاهر الذي يسيل كل صباح في ورش دمياط وحقول مصر وقلاعها، معلناً كبرياء أمة ترفض أن تنحني رغماً عن ثقل الوعثاء ومرارة الظروف.
في أوقات التحديات، وحين يظن العابرون أن النكد قد استبد بالقلوب، ينتفض في عروقنا وعيٌ دفين، يكسر طوق الشكوى، ويوقظ فينا جينات ذلك الجندي الراحل الذي احتضن سلاحه ومضى صامتاً لكي نحيا نحن أعزاء مرفوعي الرأس.
لأن الهوية في نهاية المطاف يا سادة هي هوا مصر اللي بيجمعنا من ملايين السنين، هو النيل العظيم العابر للأزمنة الذي وهبنا الله به لنبقى به ومعه أمة خالدة، حرة، وعزيزة الجانب إلى أبد الآبدين.
فصباح الخير يا مصر.. يا مصر اللي حيّرتِ العالم أجمع من أول الزمان إلى آخره، وظلوا يفتشون في سر صمودك وعشق أولادك لكِ؛ صباح الخير يا أم المعجزات وسيدة الأرض،
وقولي لنا بربكِ .. بتعمليها إزاي ؟!