2026-10-08 13:36:10
مساحة إعلانية
أنا امرأةٌ
أتممتُ ستينَ عامًا من القهر،
وتنكّرتُ في هيئةِ عجوز
كي أطرقَ بابكِ
دون أن تعرفيني.
كنتُ واثقةً أنكِ ستفتحين،
ولم أعرف
أيُّ بابٍ في عينيَّ
سيفتحه وجهُكِ.
فتحتِ.
مرَّ وجهُكِ أمامي
كظلٍّ خرج من ماءٍ قديم
ثم استقرَّ في ملامحكِ
سؤالٌ وحيد:
من هذه؟
قلتُ:
— لقمةٌ يا سيدتي،
إن كان عندكِ فضلٌ.
عدتِ برغيفٍ صغير،
ووضعته في يدي
كما تُعطى الغريبةُ
دفءَ عتبةٍ لا تعرفها.
شكرتُكِ.
ولم آكل.
كان للرغيف
رائحةُ بيتكِ،
وعلى حافته
أثرٌ خافتٌ من أصابعكِ،
كأنَّ يدكِ تركتْ عليه
خيطًا من صباحٍ بعيد.
أطلتُ النظرَ إليه.
عاد إليَّ صباحٌ بعيد،
كنتِ تشطرينَ فيه الرغيفَ نصفين،
وتدفعينَ إليَّ النصفَ الأكبر
صامتةً،
كأنكِ تمنحينني
نصفَ العالم.
كسرتُ قطعةً منه.
وحين لامستْ فمي،
توقفتُ.
ناديتُكِ:
— أتعرفينني؟
التفتِّ.
تأملتِ وجهي لحظة،
ثم قلتِ:
— لا.
فابتلعتُ القطعةَ
كي لا تسقطَ من فمي
كلمةٌ تعرفينها.
ثم ابتسمتُ،
وأعدتُ إليكِ الرغيفَ كاملًا،
وقلتُ:
— خذيهِ يا ابنتي،
لقد شبعتُ.
ولم تعرفي
أنني كنتُ أختبرُ قلبكِ،
ولا أنني، منذ أربعينَ عامًا،
كنتُ أقتاتُ على ما تركتِهِ لي.
خرجتُ.
وخلفي أُغلق البابُ
كما أُغلقَ أولُ بابٍ في حياتي.
في الزقاقِ
نزعتُ عن وجهي شيخوختي،
فلم يسقطْ قناعٌ،
بل سقطَ وجهُكِ.
وعندما التفتُّ
كان الرغيفُ في يدي
دافئًا كاعترافٍ متأخر،
لكنَّ البيتَ كلَّه
كان قد صارَ بلا باب.
عدتُ إلى المرآةِ
فوجدتُ العجوزَ تحدّقُ بي.
سألتُها:
— أتعرفينني؟
رفعتْ وجهَها ببطء،
وقالت:
— لا.
فعرفتُ أخيرًا
أنني لم آتِ لأستعيدَ ابنتي،
بل لأسمعَ من فمها
الحكمَ الذي كنتُ أخشاه:
أنَّ ما منحتهُ لها
لم يكن حبًّا،
بل كان نصفَ قلبٍ
لم أجرؤ يومًا
أن أقولَ له: ابقي.
ومضيتُ،
والرغيفُ بين يديَّ
ثقيلاً كاعترافٍ متأخر.
أما أنتِ،
فبقيتِ خلف الباب،
تأكلينَ صمتكِ،
ولا تعرفينَ
أن أمَّكِ كانت واقفةً
على الجهةِ الأخرى
تنتظرُ منكِ كلمةً واحدة.
لكنَّكِ قلتِ:
— لا.
وكانت تلك الكلمةُ
أولَ شيءٍ أعطيتِنيهِ
ولم أستطعْ
أن أعيدهُ إليكِ.