مساحة إعلانية

منبر

منوعات

من عصا للمشي لقطعة تراثية.. الحاج محمد القاضي يكشف أسرار سوق العِصِي في الحسين

2026-10-09 06:33 PM  - 
من عصا للمشي لقطعة تراثية.. الحاج محمد القاضي يكشف أسرار سوق العِصِي في الحسين
من عصا للمشي لقطعة تراثية

خامات تتغير.. وأسعار تتفاوت.. والسائح يحول العصا من أداة استخدام إلى تذكار
حوار : عاطف طلب
في أزقة الحسين، لا تزال مهن وحرف قديمة تقاوم تغيرات الزمن، وتحافظ على حضورها وسط حركة البيع والشراء والسياحة. ومن بين هذه المهن تجارة العِصِي، التي لم تعد مجرد وسيلة للمشي والاتكاء، وإنما تحولت بعض أنواعها إلى قطعة تراثية أو تذكارية تحمل طابعًا مصريًا خاصًا.
وتكشف هذه التجارة الصغيرة عن سوق له تفاصيله الخاصة؛ من نوع الخامة وطريقة التصنيع والتشطيب، إلى شكل المقبض والزخارف، وصولًا إلى اختلاف الطلب بين الزبون المصري والسائح.
وفي حوار خاص لموقع منبر التحرير يتحدث الحاج محمد القاضي، أحد صانعي وبائعي العِصِي بمنطقة الحسين، عن أسرار المهنة، وأشهر الأنواع والخامات، وتطور صناعة العصا، والفارق بين الماضي والحاضر، إلى جانب تأثير السياحة وتغير ذوق المستهلك على حركة البيع.
الحاج محمد القاضي: العصا زمان كانت للاستخدام.. واليوم أصبحت عند البعض قطعة للزينة والاقتناء
- كيف بدأت علاقتك بمهنة بيع العِصِي؟
يقول الحاج محمد القاضي: المهنة قديمة ومرتبطة بالحسين منذ سنوات طويلة، وكانت العصا في الأساس وسيلة تساعد الإنسان على المشي والاتكاء، خصوصًا كبار السن.
لكن مع مرور الوقت تغيرت الأشكال والاستخدامات، وأصبح هناك زبون يشتري العصا للاستخدام، وآخر يبحث عنها للزينة أو كقطعة تراثية، وهناك من يشتريها هدية أو تذكارًا من القاهرة.
- ما أشهر أنواع العِصِي الموجودة في السوق؟
لدينا أنواع كثيرة، منها العِصِي الخشبية التقليدية، وتختلف حسب نوع الخشب وطريقة التصنيع وشكل المقبض والتشطيب.
وهناك عِصِي ذات تصميمات تراثية ونقوش ومقابض مميزة، وأخرى أكثر بساطة للاستخدام اليومي. كما توجد أنواع تعتمد على تدعيم داخلي أو هيكل من خامات مختلفة، بحسب الغرض من العصا ودرجة التحمل المطلوبة.
ومن بين الخامات التي تلقى اهتمامًا خاصًا الأخشاب ذات القيمة الأعلى، مثل الأبنوس، إلى جانب الأخشاب التقليدية والخامات الحديثة.
الأبنوس الطبيعي أم الصناعي؟.. الخامة تصنع فارق السعر والقيمة
- وماذا عن عصا الأبنوس.. وما الفرق بين الأبنوس الطبيعي والأبنوس الصناعي؟
الأبنوس من الخامات التي لها قيمة خاصة، خصوصًا عندما تكون العصا مصنوعة من خشب أبنوس طبيعي جيد، لأن الخشب الطبيعي يتميز بصلابته وكثافته وشكله المميز، كما أن كل قطعة قد يكون لها اختلاف بسيط في اللون والعروق، وهو ما يمنحها طابعًا خاصًا.
أما الأبنوس الصناعي أو الخامات التي تحاكي شكل الأبنوس، فقد تكون أقل تكلفة، ويكون الاعتماد فيها على التركيب وطريقة التصنيع والتشطيب لإعطاء مظهر قريب من الخشب الطبيعي.
ولذلك ليس كل ما يبدو أسود أو يحمل شكل الأبنوس يكون بالضرورة مصنوعًا من أبنوس طبيعي.
- وهل يستطيع الزبون العادي التفرقة بين الأبنوس الطبيعي والصناعي؟
التفرقة تحتاج إلى خبرة، لأن التشطيب الجيد قد يجعل بعض الخامات الصناعية قريبة جدًا في الشكل من الخشب الطبيعي.
لذلك ننصح بالنظر إلى وزن العصا، وطبيعة عروق الخشب، ودرجة التجانس، وطريقة التشطيب، والأهم معرفة مصدر الخامة والتعامل مع تاجر لديه خبرة في هذا النوع من المنتجات. كما أن السعر وحده لا يكفي للحكم على نوع الخشب أو جودته.
- وهل ينعكس استخدام الأبنوس الطبيعي على سعر العصا؟
بالتأكيد، فالأبنوس الطبيعي الجيد عادةً يرفع تكلفة المنتج بسبب قيمة الخامة نفسها، إلى جانب صعوبة التشغيل والتشكيل والتشطيب.
وإذا أضيف إلى ذلك مقبض مصنوع يدويًا أو زخارف ونقوش، فقد تتحول العصا من منتج للاستخدام إلى قطعة حرفية لها قيمة تراثية وجمالية.
خامات تتطور.. من الخشب إلى التدعيمات الحديثة
- هل تغيرت الخامات المستخدمة في صناعة العصا؟
نعم، الخامات تطورت مع الوقت. فإلى جانب الخشب، كانت هناك أنواع تعتمد على قضبان أو تدعيمات معدنية لزيادة الصلابة والتحمل.
ومع ظهور خامات حديثة، أصبح من الممكن استخدام أسياخ الفايبر جلاس أو الألياف الزجاجية المسلحة GFRP في بعض التطبيقات، وهي خامة تتميز بخفة الوزن ومقاومة الصدأ والتآكل.
لكن اختيار الخامة يختلف حسب نوع العصا وطبيعة الاستخدام والتكلفة المطلوبة.
- وهل يمكن القول إن الفايبر جلاس أصبح بديلًا للحديد في صناعة العِصِي؟
في بعض الأنواع والاستخدامات يمكن الاعتماد عليه كبديل للتدعيم المعدني، خصوصًا عندما يكون المطلوب تقليل الوزن مع الحفاظ على الصلابة.
لكن ليس كل عصا تحتاج إلى النوع نفسه من الخامات؛ فهناك عصي خشبية خالصة، وأخرى تحتاج إلى تدعيم، وأخرى تعتمد على خامات حديثة، والاختيار في النهاية مرتبط بالتصميم والغرض من الاستخدام.
من الخامة إلى سعر البيع.. 
- هل تؤثر الخامة بشكل مباشر على سعر العصا؟
طبعًا. الخامة أحد أهم عناصر التكلفة، لكنها ليست العنصر الوحيد.
السعر يتأثر أيضًا بالتصنيع، والقص والتشكيل، والمقبض، والتشطيب، والدهان، والزخارف، والعمالة والنقل.
لذلك يمكن أن تجد عصا بسيطة بسعر منخفض نسبيًا، بينما ترتفع قيمة العصا التي تحتاج إلى عمل يدوي أو تصميم خاص أو تشطيب مميز.
- وماذا عن سعر الخامات نفسها؟
السعر يختلف بحسب نوع الخامة ومواصفاتها ومصدرها. وبالنسبة للفايبر جلاس تحديدًا، لا يوجد سعر واحد ثابت يمكن تعميمه، لأن التكلفة تختلف باختلاف المواصفات والمورد.
ولهذا فإن حساب تكلفة العصا يجب أن يبدأ من سعر الخامة المستخدمة فعليًا، ثم تضاف إليها تكلفة التصنيع والتشطيب وباقي المصروفات.


- وهل هناك فارق بين سعر العصا الخشبية والمعدنية والفايبر جلاس؟
بالتأكيد، لكن الفارق لا يرتبط بالخامة وحدها.
العصا الخشبية قد تكون بسيطة ومنخفضة التكلفة، وقد تكون مصنوعة يدويًا من خشب جيد ومزينة بنقوش، وفي هذه الحالة يرتفع سعرها.
أما العصا التي تحتوي على تدعيم معدني أو فايبر جلاس، فتتحدد تكلفتها وفق نوع التدعيم وطريقة تركيبه، إلى جانب باقي عناصر التصنيع.
وبالتالي لا توجد قاعدة واحدة تقول إن نوعًا معينًا هو الأرخص أو الأغلى دائمًا.
- وهل تحقق تجارة العِصِي هامش ربح جيد؟
هامش الربح يختلف من عصا إلى أخرى. العصا البسيطة الجاهزة تختلف عن العصا التي تحتاج إلى تصنيع وتشطيب يدوي.
والتاجر يحسب التكلفة من البداية، بداية من الخامة وحتى وصول المنتج إلى الزبون، ثم يحدد سعر البيع وفقًا للتكلفة وحالة السوق ونوع المنتج.
السياح.. زبون مختلف
- ماذا عن السياح؟ وهل يمثلون جزءًا مهمًا من حركة البيع؟
السياح لهم اهتمام خاص ببعض الأنواع، خصوصًا العِصِي التي تحمل طابعًا مصريًا أو شرقيًا، وتتميز بالنقوش أو الأشكال التراثية.
السائح قد لا يشتري العصا لأنه يحتاج إليها للمشي، وإنما لأنه يراها قطعة مختلفة تحمل ذكرى من مصر، ولذلك تتحول في هذه الحالة من أداة استخدام إلى تذكار.


- وهل تغير ذوق الزبون المصري؟
نعم، فالزبون المصري أصبح أمام اختيارات أكثر، وبعض الناس أصبح يهتم بالشكل والمقبض والتشطيب إلى جانب المتانة.
لكن كبار السن، على سبيل المثال، يركزون بصورة أكبر على الراحة والثبات وقوة العصا، لأن الاستخدام بالنسبة لهم هو الأولوية.
سوق تغير.. ومهنة تحاول البقاء
- هل ما زالت المهنة تحقق رواجًا كما كانت في الماضي؟
المهنة مستمرة، لكن السوق تغير. لم تعد حركة البيع مرتبطة بنوع واحد من الزبائن.
هناك من يشتري للاستخدام، ومن يشتري للهدية، ومن يبحث عن قطعة تراثية، إضافة إلى السائح الذي يبحث عن شيء مختلف يحمله معه من مصر.
- وما الذي تحتاجه هذه المهنة حتى تستمر؟
الحفاظ على الحرفة وتطويرها في الوقت نفسه. لابد من الحفاظ على الشكل التراثي للعصا، مع تطوير التصميمات والخامات بما يتناسب مع احتياجات الزبون الحالي.
والحسين له طبيعة خاصة، وأي منتج يحمل طابعًا تراثيًا يمكن أن يجد له سوقًا، إذا تم تقديمه بصورة جيدة وبجودة مناسبة.
 العصا.. منتج صغير يكشف اقتصاد الحرف التراثية
تكشف تجارة العِصِي في الحسين عن نموذج مصغر لاقتصاد الحرف التراثية؛ فخلف المنتج البسيط توجد سلسلة تبدأ من الخامة، مرورًا بالتصنيع والتشكيل والتشطيب، ثم النقل والتسويق، وصولًا إلى المستهلك المصري أو السائح.
كما أن تطور الخامات يكشف عن محاولة أصحاب المهنة التكيف مع متطلبات السوق؛ فالعصا الخشبية التقليدية ما زالت تحتفظ بقيمتها التراثية، بينما تظهر خامات أخرى مثل المعادن والفايبر جلاس في بعض الاستخدامات التي تتطلب خصائص مختلفة من حيث الوزن والصلابة ومقاومة العوامل البيئية.
وفي المقابل، يظل الأبنوس الطبيعي نموذجًا واضحًا لكيف يمكن للخامة أن تضيف قيمة إلى المنتج؛ فالفارق بين الخشب الطبيعي والخامات الصناعية التي تحاكي مظهره لا يتعلق بالشكل فقط، وإنما يمتد إلى الخصائص والتشغيل والتكلفة، وهو ما ينعكس في النهاية على سعر العصا وقيمتها كمنتج حرفي.
واللافت أن قيمة العصا لم تعد تُقاس بوظيفتها فقط؛ فكلما دخل التصميم والزخرفة والعمل اليدوي والطابع التراثي في المنتج، أصبحت العصا أقرب إلى قطعة حرفية وسلعة تذكارية، وليس مجرد أداة للمشي.
وهكذا تظل تجارة العِصِي واحدة من التفاصيل الصغيرة التي تختزن ذاكرة الحسين، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن سوق يتغير وفق الخامات والتكلفة والطلب والسياحة وذوق المستهلك.

مساحة إعلانية