مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

قراءة في قصيدة طعم الشاي لحسني الإتلاتي.. بقلم خالد هاشم

2026-06-25 08:29 PM  - 
قراءة في قصيدة طعم الشاي لحسني الإتلاتي.. بقلم  خالد هاشم
الناقد خالد هاشم

دفتر أحوال الحنين .. قراءة في قصيدة طعم الشاي للشاعر حسني الإتلاتي

نص جديد يفتح به شاعرنا النبيل أ. حسنى الإتلاتي طاقة جديدة على دفتر أحوال الحنين لكنه هذه المرة يعود بنا إلى منبع الروح والصلابة الى الأب الذي غادر جسدا وظل ظلا ممتدا ونخلا لا يموت

والقصيدة إذ تتكئ على لغة فصحى رشيقة فإنها لا تنفصل عن مشروعه الشعري الممتد عبر قصائده بل تمثل المسودة الأولى أو الجذر العاطفي الذي تفرعت منه قصائده اللاحقة

يأخذنا

 في هذه القصيدة إلى ذروة التطهير الشعوري لينسج مرثية باذخة في حب الأب تلتقي فيها لوعة الفقد الشخصي بوعي المثقف الذي يرى في الأب رمزا للقيم الانسانية العليا وهي قصيدة تمثل الجذور الروحية الممتدة لقصائده اللاحقة فإذا كان الشاعر قد بكى في قصيدته الشهيرة (زينب)مأساة الغياب والتقصير وواجه الذات بمرارة وإذا كان في قصيدته الفلاح الأسمر قد غازل الأرض والوطن عبر شقاء الفلاح وصبره فإنه هنا في هذا النص يذهب مباشرة إلى الأصل الذي نبت منه ذلك الفلاح ونبتت منه تلك الشجاعة الانسانية  متوسلا ببنية شعرية فريدة ومستدعيا تفاصيل البيئة المصرية شديدة الخصوصية والدفء، بدءاً من الراديو الخشبي الباكي وطعم الشاي فوق مواقد الحطب وصولا إلى الفأس التي تضرب الأرض فينمو الحقل بالقصب ليتماهى الأب تماما مع الأرض والخير والبركة ورغم وطأة الموت الوجودية التي جعلت الشاعر يعلن كراهيته له لأنه لا يعيد المغتربين يباغتنا الشاعر برجوع فكري ونفسي مدهش يعيد تعريف الموت فالأب الذي عاش كالنخل ينحني عطفاً على من طعنوه بالرطب لم يمت حقيقة بل ترك امتداده الروحي حياً في تفاصيل الأبناء والأحفاد (محمد وملك وندى) الذين يورقون كالشُهب والذهب ليتحول الأسى في ختام النص إلى طاقة فخر واستمرار ويعلن الشاعر بيقين مبدد  للغياب

أبي ما مت أنت على جبيني في دمي كتبي

مؤكدا من خلال هذا التدفق العذب الموزون أن قصائده  ليست مجرد نصوص للمواساة بل هي وثائق حية تؤرخ للوفاء الإنساني وتثبت أن الحنين عند شاعرنا النبيل أ حسنى  هو الجمرة النبيلة التي تضيء جراح الماضي وتصنع منها قناديل للمستقبل

النص

لضحكك عاليا جدا

لحزنك دونما صخبِ

لصبرك تغدر  الأيامُ

تطعن فيك عن كثبِ

أمكتئب على سبب

 كمتئب بلا سبب؟!

لشباك به راديو 

 بكى صندوقه  الخشبي

لبنتك أختيَ الكبري

  لبسمة ثغرها العنبي

لأمي حين ( توصفها)

تجيئك  من  ورا الحجبِ

تطبطب قلبك المجروح

 تمسح شهقة التعبِ

لموّال  تغنيه

بلا شفتين في طربٍ

لجلباب جديد الحزن

 هل للحزن من هربِ؟

دعاؤك في ظلام  الليل

في حزن بلا غضبِ

لمن   ولما وكيف وكم

جميل الحب في العتبِ

لنخلك ينحني عطفا

لمن طعنوه بالرطبِ

لقلبك خازن الأسرار

 منكسرِ ومنثقبِ

لطعم الشاي من كفيك

 فوق مواقد الحطبِ

لعينك حين تنظر لي

لثغرك حين يضحك بي

لصوتك حين تندهني

 لقلبي  إذ أقول أبي

لفأسك  يضرب الأرضَ

فينمو الحقل بالقصب

أبي يا أشرف الآباء

 صدقا لو أقول نبي

تغيب تغيب عن عيني

 وتوعد موعد الكذبِ

بأن ستجيئ مثل الشمس

بالأحلام واللُعبِ

لنمرح مثلما كنا

وتحكي لي وتسرح بي

كرهت الموت منذ  متي

 يُعيد إليّ مغتربي

أبي أحفادك الأبطال

هاهم في يد الشهب

(محمدُ)  يا أبي حلو

 شبيهك فارس وأبي

(ملكْ )سمراؤنا كبرت

 (ندى) في لمعة الذهبِ

أعلمهم أبي كم كان

  شيخا والجراح  صبي

أبي ما متّ أنت على

 جبيني في دمي كتبي

*قصيدة "طعم الشاى" للشاعر حسني الإتلاتي ,من ديوان يؤرقه الحنين الصادر عن  دار ديوان العرب للنشر والتوزيع عام 2020م

مساحة إعلانية