مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

المبدع بختى ضيف الله يكتب : كنتُ أحدَ أبطال قصتي!

2026-06-25 09:57 PM  - 
المبدع بختى ضيف الله يكتب : كنتُ أحدَ أبطال قصتي!
الكاتب والقاص الجزائري بختي ضيف الله

يرافقني أبطال قصتي أينما ذهبت. يفرضون عليّ مشاهدهم المؤلمة، أن تكون أولوية الأولويات؛ فذاك الحمّال المرابط عند كبير تجّار المدينة يبدي غضبه الشديد، محتجا على شخصيته التي خرجت عن النص الروائي، وقد منحته دورا من أهم الأدوار في الحياة كلها، لكنه أبى أن يكون كذلك؛ فهو لا يريد أن يترك عربته التي يجرها وتجره؛ ولا أن تنغمس يداه في زيت المترفين. أما تلك السيدة الطريدة بين شوارع الظلام من قبل ذئاب المدينة المتربصين، وهي تمد يديها للمحسنين لعلهم يعطونها ما تسد به رمق جوع زوجها المريض وأبنائها الصغار، تتبع بعينيها الذابلتين حروفي وكلماتي المتأرجحة، تخشى أن أرسمها رسما لا يليق بها وهي ابنة الأكرمين، كما لم يرض صاحب الكوخ السعيد أن تكون المدينة التي هجرها أفضل من كوخه...و..و..

أحاول تصويرها تصويرا دقيقا، في صفاتها، إن كانت هادئة أو كثيرة الانفعال، متواضعة أو متكبرة. أختار لها اسما متخيلا مناسبا كجرس تسمع رناته عند كل حركة.

رضي أبطالي بأن يكونوا داخل حيز مناسب، اخترته لهم بعناية فائقة، يتقلبون بين الأماكن والأزمنة دون ضائقة. يقول طالب عباس الظاهر في موقع (الحوار المتمدن):  "ما يميز قصة عن أخرى وقاصاً عن آخر عبر المقدرة في محاولة التحكم ومدى التوفيق بقيادة الخيط الزمني الدقيق وربطه بخيط المكان في النسيج الداخلي."

عندما وقف ذاك الطبيب الديكتاتور في وجه تلك الصغيرة التي كانت تبحث عن من يداوي جراحات أمها وهي على فراش الموت،كانت لغة عينيها أكثر وضوحا وقد عجز لسانها أن يطلق فصيح الكلمات، وقفتُ حائرا كيف أساعدها؟ !. لفَّت بعينيها في كل زوايا عيادته، لم تجد غير دمية على رف خزانته، جميلة جدا ، ترتدي مئزرا أبيض ونظارة وردية.

كررتِ المشهد أمامه بكل احترافية، لكن عمى قلبه حال دون معرفة ما تريد؛ فأثارت غضبه؛ فأمر بطردها مرات عديدة، وقد لان لحالها قلبُ الدمية الطبيبة، فهربت معها. دخل الطبيب عنوة إلى منزلها، أما أنا فدخلت في حيرة من أمري؛ كيف أصنع مشهدا يليق ببنت طيبة غير قادرة عن الكلام ودمية رحيمة ؟!

وقفتُ كمخرج سينمائي بارع أمام سيناريو مغفل لا روح فيه؛ فجنحت إلى ما فوق الواقعية، وحاولت الوصول إلى اللاوعي، والأفكار المتناثرة الكامنة بدواخل النفس البشرية، وهذا باستخدام صور صادمة.

كان كل أفراد الأسرة ملتفين حول الأم الميتة، يملأ قلب الدمية الطيبة حسرة؛ لأنها لم تستطع أن تقدم لها شيئا، لكنها اتفقت والبنت وجمعتا كل الدمى وشيعوها في جنازة مهيبة، تلقفت القنوات أخبارها، بينما راح الطبيب يبحث عبر سماعته عن قلبه الضائع الأعمى.

في تجربتي الروائية الأولى الموسومة بـ:"ريح الجنون..أو عندما يتيه الوطن"، كنت أنا الشيخ (عبد الحميد الكتبي) دون أن أدري، هكذا قال كل من قرأ الرواية ويعرفني عن قرب؛ أني  الهارب من صخب المدينة الظالمة، " أفضل أن  أكون بعيدا عنها؛ أراها بعيني الثاقبة وقلبي الخبير بأنها مجنونة، صالحة لكل عصور الجنون، ساحرة وآسرة للضعفاء؛ فعندما يثار غبارها، يسقط أضعفهم صريعا بين يديها".

مفتخرا باختياري،"أسير على هامشها المهمل الوضيع وحيدا، حرا طليقا، لا  أحد يحاسبني  ماذا فعلت، ولماذا لم تفعل؛ فأنا أعلم أن لا قيمة لي بين هؤلاء الأنانيين، الذين  يملكون خيوط سحرها ومفاتيح أبوابها

لا أعطي اهتماما لمنهجهم وقواعدهم في لعبة القيم التي يسمونها لعبة الأمم؛ فنقدهم للحياة وأساليبها وأحكامها كان في لحظة عبثية وسكر وأنانية قاتلة".

كما كنت سعيدا  وأنا أضم هذه العبارات الشافية؛ لأني أجد متعة "عندما تتبعني أغنامي، أو أتبعها، و أنا متجه إلى قمة الجبل الأشيب بالضباب، ذلك المكابر العنيد، أجد ضعفاءها المساكين في انتظاري، تصافحني قلوبهم كما تصافحني أيديهم، وإنها للحظات رائعة يتمنونها مع متمرد مثلي، يرى الحياة رؤية مختلفة، يتلمسها بعصا الشك كالضرير".

حاولت أن أكون محايدا في إبداعي، لكني وجدت نفسي مجبرا على مصاحبة أبطالي، أمد إليهم يدي، لأخرجهم من وحل مشهد وقعوا فيه، عميت عنه أبصارهم، وهذا ما وجدته لدى رفقاء الكلمة؛ مهما أخفوا وجوههم عن القارئ ودسوها بين الكلمات، فإن الناقد اللبيب يتبع آثارهم، متجولين على صفحات نصوصهم.

مساحة إعلانية