مساحة إعلانية
في زحام الحياة وتسارع إيقاعها، ينسى كثيرون حقيقة بسيطة لكنها عميقة الأثر: أن الإنسان ليس آلة تعمل بلا توقف، بل كيان تتنازعه حالات من الإقبال والإدبار، النشاط والفتور، الحماس والإنهاك. ومن هنا تبرز أهمية ما يمكن أن نسميه بـ"فقه الإقبال والإدبار" كمنهج حياة لا غنى عنه.
الإقبال هو تلك الحالة التي تتفتح فيها النفس على العمل، ويعلو فيها الحماس، وتتسع فيها القدرة على الإنجاز. وفي هذه اللحظات، يكون الإنسان في أفضل حالاته، قادرًا على العطاء والبناء وتحقيق الأهداف. غير أن الخطأ الشائع هو التعامل مع هذه الحالة وكأنها دائمة، فيُحمّل الإنسان نفسه فوق طاقتها، ويستهلك رصيده النفسي دون وعي.
أما الإدبار، فهو الوجه الآخر للطبيعة الإنسانية؛ حالة من الفتور أو التراجع أو فقدان الشغف. وهي حالة كثيرًا ما يُساء فهمها، فيتم التعامل معها باعتبارها ضعفًا أو تقصيرًا، بينما هي في حقيقتها ضرورة نفسية لإعادة التوازن واستعادة الطاقة.
فقه التعامل مع هاتين الحالتين لا يقوم على الإنكار أو المبالغة، بل على الفهم والإدارة. فحين تُقبل النفس، يكون من الحكمة استثمار هذه اللحظة في الإنجاز والتقدم. وحين تُدبر، يكون من الرشد التخفف، وإعادة ترتيب الأولويات، دون جلد للذات أو شعور بالذنب.
المجتمعات الناجحة لا تُقاس فقط بقدرتها على العمل في أوقات القوة، بل بوعيها في إدارة لحظات الضعف. وكذلك الأفراد، فالناضج ليس من لا يتعب، بل من يعرف كيف يستعيد توازنه.
ما أحوجنا اليوم، في ظل الضغوط المتزايدة، إلى إعادة اكتشاف هذا الفقه الإنساني البسيط. فبدلًا من السعي إلى الكمال الوهمي، علينا أن نتعلم كيف نستمر بواقعية، وكيف نُحسن التعامل مع أنفسنا قبل أن نُطالبها بالمزيد. فالحياة ليست سباقًا دائمًا، بل مسار يحتاج إلى وعي… وإدارة ذكية لتقلباتنا نحن، قبل تقلبات الظروف.