2026-06-10 15:45:03
مساحة إعلانية
ليست بنت الفجر، ولا بنت البئر، ولا حتى بنت النور.
هي مجرد امرأة خاصمها الحظ لسبب لا تعرفه، وأشاح بوجهه بعيدًا عنها، مخلفًا وراءه ندبات لا تُحصى، كأنها خريطة لدولة اسمها الخذلان.
أجمل بنات الحي منذ الطفولة. شعرها أسود كليل لم يعرف القمر، وعيناها واسعتان تتسعان للدهشة دائمًا. حرمها والدها من اللعب مع بنات الجيران بعد أن رأها عائدًا من عمله تلعب "الحجلاء". رفعت طرف ثوبها الرث لأعلى عدة سنتيمترات لا تتجاوز الكاحل، تجهيزات نطة الحجلاء المعتادة لكل بنات الحي. لكنه لم يرَ اللعبة. رأى العار. عاقبها "علقة نصفها موت" لمجرد الفكرة. قال وهو يلهث من تعب الضرب : رفع طرف الثوب عار... حتى وإن كانت لعبة. استغفري يا بنت ، ومن يومها، صار اسمها الذي تنادي به نفسها في سرها: مغفرة. كأنها وُلدت بذنب لا يُغتفر.
في سن المراهقة، اكتشفت مدرسة الموسيقى في "الإعدادية بنات" أن صوت مغفرة نهر هادئ وعميق، إذا غنّى، أخضرّت القلوب. موهبة فريدة لم ترَ مثلها. دربتها على الغناء استعدادًا لحفلة السادس من أكتوبر، التي يحضرها لفيف من المدعوين، أكثرهم أولياء أمور الطالبات. صدقت مغفرة أنها شادية. وقفت على المسرح الخشبي المتهالك، ونفضت شعرها من اليمين إلى اليسار، ورددت بصوتها النهري: مصر... اليوم في عيد .
صفق الجمهور حتى احمرت الأكف. لم يصفقوا لجمال صوتها وحسن أدائها فقط، بل لحسن جمالها الذي كان فضيحة تشع.
انتهت الحفلة بسلام، وبارك لها الجميع هذا النجاح الباهر، وتنبأ البعض بمستقبل فني فريد لها. نامت ليلتها وهي تضم الوسادة، وتغني في سرها للسقف: منقولشي ايه ادتنا مصر ،ونقول هندي ايه لمصر ... ياحبيبتى يامصر.
غابت عن المدرسة خمسة عشر يومًا متتالية بعد الحفلة، مما ألزم الإدارة بإرسال إنذار بالفصل بسبب الغياب. عادت في اليوم السادس عشر. لم تكن مغفرة.
عادت شبح بملامحه، متورمة الوجه، وربما يكون الجسد بأكمله، ترتدي حجابًا طويلًا أسود لا يتناسب مع سنها الرابع عشر، ولا مع زي المدرسة الأزرق. كانت رائحة الخوف تفوح من الحجاب، كأنه كُفن. منطوية، متوحدة، لا تحادث أحدًا. كانت إذا لمست رقبتها، شعرت أن القماش الأسود يحرق مكان الكدمات الزرقاء.
لم يسألها أحد عن سبب الغياب، ولا عن سبب تبدل حالها. حتى مدرسة الموسيقى. الكل اكتفى بدمعة اغرورقت في عينه، حرصًا منه على إخفائها. كان الصمت في المدرسة أثقل من العقاب.
وصلت للمرحلة الثانوية، مرحلة الانتقال من طور الطفولة التي لم تحتضنها، إلى مرحلة الأنوثة التي كرهت تضاريسها الجسدية. كرهت كل ما برز منها معلنًا ماهيتها، خوفًا من العيون التي ليس لها حكم عليها. كانت تلبس المعاطف في عز أغسطس، وتحنِي ظهرها وهي تمشي، كأنها تعتذر للعالم عن وجودها.
لم تكمل تعليمها الثانوي. فرجينيا جميلة الجميلات بثوب صعيدي ، قال أبوها للخاطب الذي جاءهم : البت ملهاش غير بيت زوجها أولى بها وأستر.
تزوجت. وفي ليلة الزفاف، قبل أن تضع قدمها في بيت لم تختره، عاهدت الله قبل روحها المسجونة قسرًا بغير ذنب ،ألا تدخل بيت أبيها سوى زائرة . كان هذا هو نصرها الوحيد.
احتملت ما لا يُحتمل. حولت نفسها من سيدة إلى جارية جميلة، أقصى أمانيها أن تنال رضا سيدها، صاحب المسكن والمأكل والمشرب، والأب الشرعي للأبناء. اسمه "سالم"، لكنه لم يكن سالمًا، ولم يُسالمها.
سكنت معه ثمانية عشر سنة في منزل العائلة. أحبها الجميع، حتى حماتها الشرسة التي تسبق يدها لسانها. بعد خمس سنوات لم تقل فيهم غير: حاضر... نعم... على عيني... اللي تشوفيه يا عمة ، تسلل حبها الضعيف إلى قلب العمة كقطرة ماء في صخر. أشفقت على ضعفها، فتحولت من شرسة إلى أم. كانت تستمع لشكواها الصامتة، وتدعو لزوجها بالهداية وهي تمسح على شعرها: ربنا يهدي سرك يا بنتي".
لم يكن زوجًا صالحًا، ولا فاسدًا. كان رجلًا يرى الدنيا بعيونه هو فقط. جميلة الجميلات ملكية خاصة، بصك موثق. وضعها في بترينة زجاجية، مسموح أن ترى أو تُرى، لكن لا مساس. لمسًا وسمعًا وكلامًا. إذا خرج، أغلق الباب بالمفتاح من الخارج. خوفًا عليها من العالم الموازى لجدرانهم.
أيقنت أنه سجن آخر، لكنه أكبر، أوسع، به مجال للحركة، للحياة متمثلة في أبنائها الثلاثة. قررت كسر كل القواعد الخاصة والأحلام الشخصية. امتنعت عن أي طلبات، أي أمنيات. المهم أولادها. كانت تغني لهم وهي تطهو، أغاني خافتة لا يسمعها سالم. "مصر اليوم في عيد"... كانت تعلمهم أن الوطن حضنًا أم لا تمل أبناءها رغم الصعاب.
تعبت. شقت الصخور بأظافرها المقصوصة حتى اللحم. أحسنت التربية، ساعدتهم في التعليم، حتى وصلوا إلى مستويات تعليمية كبيرة. الطبيب، والمهندس، والمعلمة.
ذات مساء باهت ، سالم يصرخ ،الشاي بارد. وقف أمامها يضرب كفًا بكف. قالت له وهي منكسة الرأس: حاضر... أعملك غيره .
نظر إليها وقال كلمته التي كانت سكينًا كل ليلة: الجماد يحيا ويموت جمادا ،مهما ذاد جماله.
في تلك اللحظة، لم تبكِ. لم ترد. رفعت عينيها إليه، ورأت فيه كل الرجال الذين كسروها. أباها، والمجتمع، والصمت. وضعت يدها على صدرها، وهمست في سرها همسة واحدة، خرجت من قاع بئر عمره ثمانية عشر عامًا: الله حسبي ،هو مولاي ،نعم المولى ونعم النصير.
لم تكن دعوة. كانت وثيقة. كانت استقالة من دور الضحية الى دور الأضحية.
لم تمر ليال كثيرة من أجندة الوجع ،سقط سالم ، انهار الجبل ، سكتة دماغية. وقع كوب الشاي من يده وانكسر على الأرض، وتناثر الزجاج وتناثرت معه حياتها القادمة كلها .
مات وتركها وحيدة.
كانت سجينة منذ نعومة أظافرها، لكنها لم تكن أبدًا وحيدة. الآن صارت وحيدة.
في أول ليلة، حدثتها الجدران. أدركت أنها تفقه لغة الجماد. أدركت أن السجن اتسع كثيرًا. أدركت أن سجنها الحقيقي هو حواراتها الليلية مع جدار الغرفة، مع الكرسي الذي قالت إنه هي، مع المنضدة، حتى ملاءة السرير أصبح لها صوت يؤذيها ويؤرق نومها. كان صوت الملاءة خشنًا، يشبه صوت أبيها: عار... استغفري .
بعد عام من الوحدة، رن الهاتف. صوتًا من الماضي. من الشارع الضيق. من "الفيس بوك". قال لها: انتي حرة الآن يا مغفرة... تتجوزيني؟ .
صوتا حنونًا. أولادها يحبونه، وهو يحبهم. عرض عليها أن يكون السكن الذي حُرمت منه.
جلست في غرفتها. الملاءة تتحدث، الكرسي يتحدث، والجدران تتحدث. كلهم يقولون: غرق... غرق... غرق.!!!السفينة مثقوبة.
تذكرت كلمة سالم : ما انت سوى جماد جميل ، تذكرت كلمة أبيها: استغفري.
رفضت. : أنا آسفة... خانني... كذب عليا... خدعني . لم يكن هو. كانوا هم .
لم تستطع أن تسلم مفاتيح قلبها. لم تستطع أن تنسى. لم تستطع أن ترى صفاته الحلوة، لأن عينيها امتلأتا بالندبات.
في الليلة رقم ألف من ليالي الوحدة، وقفت مغفرة في منتصف الغرفة. كان الجدار يصرخ، والكرسي يئن، والملاءة تستغيث.
خلعت الحجاب الأسود لأول مرة منذ أربعين عامًا. سقط على الأرض كجلد أفعى ميتة.
نظرت إلى "البترينة" الزجاجية الفارغة. ثم نظرت إلى انعكاسها في الزجاج.
رفعت طرف ثوبها البيتي... سنتيمترات قليلة، لا تتجاوز الكاحل. لم تنوى تلعب الحجلاء.
أخذت نفسًا عيقا تبعه شهيقا اعمق، كأنها تتنفس للمرة الأولى.
وغنت بصوتها النهري الذي دفنوه حيًا: مصر... اليوم في عيد.
لم تغنِ للوطن. غنت لمغفرة .
في تلك اللحظة، سكتت الجدران. انحنى الكرسي احترامًا. واعتذرت الملاءة .
ولأول مرة، لم تطلب المغفرة من أحد. منحتها لنفسها.عرفت معنى الحرية.